الوحدة قد تكون أفضل الاختيارات حين يكون كل شيء من حولنا غريبا.. فالغربة الحقيقية ليست هي غربة المشاعر والأحاسيس وليست غربة الأماكن.. غربة الشعور بالوحدة وسط من نعرفهم جيدا.. غربة من نوع مختلف تضطرنا أن نلوذ بأنفسنا ونتجنب الاختلاط بالأخرين.. غربة تجبرنا على ارتداء الأقنعة حين نضطر إلى التعامل مع الغير لكيلا تظهر حقيقة مشاعرنا البغيضة تجاههم، وحتى لا يتم كشف ما بداخلنا من أسرار تتعلق بعدم قبول الطرف الأخر، بل وكراهيته في أحيانا كثيرة والرغبة الشديدة في الابتعاد عنه.
غربة النفس أقصى من غربة الأماكن.. والشعور بعدم الانتماء للأماكن والأشخاص شعور قاسي كأن الفرد منا غصن شجرة جاف لا يقع على الأرض ولا يتحول إلى اللون الأخضر مرة أخرى.. هو فقط يقبع في نفس مكانه لا يتحرك ولا حتى تهزه الريح فيسقط أرضا.
لجأ كل فرد من أفراد البنك إلى غرفته واحتمى بها كمن يحتمي من عدو.. وجدوا فيها الملاذ الآمن والملجأ الذي يحميهم من بعضهم البعض حتى لا يضطروا إلى ارتداء الأقنعة المزيفة في التعامل طوال وقت.. انفرد كل منهم بحاله وتمنى من داخله أن تنتهي هذه الأيام على خير بأقل خسائر نفسية ممكنة.
وعندما حان موعد العشاء لليوم الأول من السفر اضطر الجميع أن يتقابلوا وجها لوجه وأن يلتزموا بميعاد الساعة الثامنة وإلا سمعوا من إيهاب علوان ما لن يرضي كرامتهم من إهانة بسبب التأخير.
كان عم جمال أول الحضور.. وجد إيهاب علوان جالسا وحده في المطعم أمام طاولة طعام كبيرة مستديرة تتسع للجميع.. لم يعرف عم جمال ماذا يفعل ولا أراد أن يجلس معه وحدهما على الطاولة.. قام بالسلام عليه بصوت خفيض ثم اتجه إلى مقعد بعيدا وجلس لا ينوي على شيئا.
السلام عليكم يا ريس.. أتمنى أن تكون قضيت رحلة مريحة في الوصول إلى هنا.
أهلا يا جمال.. أين باقي الموظفين؟ ألا يعلمون أن موعد العشاء في الثامنة تماما.!
ارتجف عم جمال قليلا وهو يهمس بداخل نفسه:
الغائب حجته معه يا سيادة المدير.
ووقت أن كان إيهاب علوان ينفث دخان سيجارته متجنبا النظر إلى عم جمال وشاخصا ببصره ناحية باب المطعم انتظارا لدخول الموظفين، شرد عم جمال بخياله وعاد عدة سنوات إلى الوراء وتذكر كل الاهانات والذل اللذين تجرعهما على يد هذا الشخص المتعنت المغرور.
حين تم تشخيص عم جمال بمرض سرطان الدم، كان هناك مدير سابق لإيهاب علوان يحتل وظيفة إدارة البنك.. ساند الجميع عم جمال منذ أن عرف بحقيقة مرضه وذلك بداية من المدير وحتى كل موظفي الفرع مما جعله يشعر أنه وسط عائلته وخفف وطأة قسوة المرض عليه قليلا.
لم يتخل أيا من زملائه عنه في بداية تلك الفترة العصيبة، بل كثيرا ما كان الموظفون ينصحونه ويدلونه على أفضل أماكن العلاج، ويراعونه وقت العمل خاصة بعد عودته من أجازته المرضية، ولا يسمحون له أن يعمل فترات طويلة.. كان الجميع تقريبا يساعدونه ويوفرون عليه تعب تقديم المشروبات حيث كان كل فرد منهم يعمل جاهدا على خدمة نفسه بنفسه موفرا تعب العناء على عم جمال.
أما المدير السابق، فقد احتوى عم جمال وأشعره أنه بمثابة قريب له.. كان يطمئن عليه في اليوم الواحد عدة مرات، ويحرص كثيرا على صحته البدنية والنفسية.. أخذ المدير السابق القرار بالتعاقد مع موظف بوفيه شاب في السن بعقد مؤقت لكي يساعد عم جمال في أعمال نظافة الفرع حتى لا يتعب أو يجهد كثيرا، كما طالب أيضا برفع التغطية التأمينية لعم جمال وأخرج مبلغا كبيرا من صندوق العاملين حتى يساعده به على مصاريف المعيشة المتزايدة وتكلفة العلاج التي جدت عليه.
وقف الجميع وقفة رجل واحد اجلالا لرجل قدم من حياته أكثر من عشرين سنة في هذا العمل ولا يعرف مكانا لأكل عيشه سواه.. فقد مر علي جمال الكثير من المديرين والموظفين، منهم من ترك البنك باحثا عن وظيفة أفضل ومنهم من تركه لدواعي السفر.
كان شاهد عيان على قصص حب كثيرة جمعت بين البعض منهم وكان مدعوا أساسيا في عدة زيجات تمت بين موظفين من أقسام مختلفة، كما أنه أيضا كان شاهد عيان على العديد من المكائد التي تدبر ويظلم فيها أفراد بعينهم.
حياة كاملة عاشها عم جمال في هذا المكان.. أسرة كبيرة كانت امتدادا لأسرته الحقيقية.. لم يكن يتوان أبدا عن تقديم أي خدمة تطلب منه حتى لو لم يكن مكلفا بها رسميا.. فلم يكن من النوع الذي يؤذي مشاعر الأخرين أو حتى يرفض لهم طلبا.
عمر بأسره قضاه بين جدران هذا المكان والتي شهدت بدورها معه الكثير والكثير مما يحدث ولكنها أصرت على الصمت مثلما أصر هو بدوره على الصمت في مواقف كثيرة كان شاهد عيان عليها.
وعند اشتداد مرضه وقت أن تغيرت الإدارة وأصبح إيهاب علوان مديرا للفرع، انقلبت حياة عم جمال رأسا على عقب حيث تدهورت به الأحوال سريعا فلم يعد يجد العائد المادي الذي كان يستره هو وأسرته كما أن صحته لم تعد تساعده على القيام بالعديد من الأعمال التي كان مفترضا أن يقوم بها.
كل شيء يهون إلا الطفلين الصغيرين يا وفية.. كل شيء في هذه الحياة يهون.
كان كثيرا ما يردد هذه الجملة على مسامع وفية زوجته التي وقفت بجانبه وصبرت كثيرا، كانت تعلم أن قلبه معلقا بطفليهما الصغيرين وبتعليمهما وأنه يمكن أن يدفع عمره كله مقابل ألا يتركا التعليم وأن يستكملا مراحل المدرسة ومن بعدها الجامعة ويحصلا على شهادات عليا.
أحلام عم جمال المتواضعة في الحياة تتلخص في الصحة والستر وتعليم الصغيرين.. ولكن من الواضح أن حتى تلك الأحلام البسيطة وقف أمامها إيهاب علوان وقت أن أصدر قرار بإنهاء عقد الموظف الشاب الذي يساعد عم جمال في البنك ووقت أن ألغى زيادة التغطية التأمينية الخاصة به كأنه اتحد مع القدر على أن يسلبا عم جمال أخر أمنياته في هذه الدنيا القاسية.
***
سأل النادل عم جمال عما يحب أن يشربه على العشاء.. تحير الرجل قليلا ثم طلب كأسا من الماء.. وقتها التفت إليه إيهاب علوان وأشار له بيده قائلا:
اطلب ما تريد.. أنت لن تدفع شيئا.. كله على حساب الوكالة التي لا يعمل لها أحدا أي حساب.
شعر عم جمال بالمهانة الشديدة وأصر فقط على طلب كأس من الماء من النادل الذي كان لا يزال واقفا.. أما إيهاب علوان فطلب لنفسه ثالث فنجالا من القهوة في هذه الجلسة انتظارا للأخرين أن يظهروا الواحد تلو الأخر.
عفة نفس عم جمال جعلته يفكر في بيته وأولاده، وأن أي طعام بسيط بصحبتهم سيكون أفضل له ألف مرة من مئة وليمة فخمة بصحبة المدعو إيهاب علوان الذي كانت متعته إذلال الأخرين والمن عليهم.
في الحارة الضيقة التي يعرف فيها كل شخص الأخر، وفي البناية الصغيرة التي لا تتجاوز الطابقين، وفي الطابق الأرضي من تلك البناية، يسكن عم جمال وزوجته الست وفية وأولادهم الأربعة.
الحياة تسير بهم على وتيرة طبيعية كأي أسرة ظروفها المعيشية صعبة ولكنها صامدة أمام التحديات، تتحايل على الرزق لتحصل عليه من هنا وهناك.. فعم جمال بجانب وظيفته في البنك كعامل للبوفيه منذ أكثر من عشرين سنة، كان يعمل أيضا مساءا في عيادة لطبيب، ينظم له مواعيد دخول المرضى ويرد على الهاتف لأخذ حجوزات الكشوفات وينظف العيادة مساءا بعد انتهاء الدكتور من عمله.
أما الست وفية فتقوم بالنهار بعمل بعض المأكولات البسيطة من محشي وخضراوات منظفة وخلافه لتبيعها إلى الموظفات في حي المنيرة الذي يسكنون به.
أبناء عم جمال الكبار كانوا كذلك يعملون حتى يساعدوا أنفسهم في المصاريف المختلفة.. فمنهم من يعمل في محل لبيع الهواتف المحمولة ومنهم من يعمل بائع في محل ملابس.. درس الاثنان دراسة متوسطة في معهد فني وكان أمل الأسرة كلها في الطفلين الصغار ليقوموا بإكمال تعليمهم ويلتحقوا بالجامعة ويحصلوا على الشهادة العليا.
ويوم أن أصاب عم جمال المرض، تغير كل ذلك وتبدلت حياته وحياة أسرته.. لم يعد باستطاعته العمل في عيادة الطبيب مساءا كما أن إجازاته المرضية طالت في البنك وبدأت زوجته وأبناءه الكبار يبيعون من أثاث البيت شيئا فشيئا حتى يستطيعون تحمل تكاليف العلاج التي كانت تفوق طاقتهم بكثير.
كانت أحوالهم قد تحسنت قليلا في الفترة التي وافق فيها المدير السابق لإيهاب علوان أن يقوم بزيادة التغطية التأمينية لعم جمال وأن يقدم له سلفة تعينه على تحمل صعوبة الحياة، أما بعد أن ترك العمل وبعد أن تم تعيين إيهاب علوان في تلك الوظيفة واتخاذه قرارات عكسية عادت أمور عم جمال المادية بعدها إلى التدهور من جديد.
كثفت الست وفية عمل المأكولات التي تصنعها بيديها وتقوم ببيعها وقام أولاده أيضا بتقديم كل ما يكسبونه من أعمالهم إلى أبيهم ليتم صرف هذه الأموال على علاجه.. ومع ذلك لم يكف كل ذلك وظل البيت في احتياج، وظل عم جمال يعاني من المرض وقلة الحيلة، ولكن أيضا ظل الطفلان الصغيرات منتظمان على حضور دروسهما في المدرسة وذلك هو الشيء الوحيد الذي اجتمعت عليه الأسرة أنه مهما حدث من ظروف فلابد للطفلين أن يكملا تعليمهما ويلتحقا بالجامعة.
ومن سخرية القدر أن تفرض الإدارة على عم جمال الذهاب إلى الغردقة وترغمه على السكن في الفندق ذو النجوم الخمس ليقضي عدة أيام في رفاهية شديدة، وهو في أمس الحاجة إلى حق العلاج والمصاريف الأخرى الضرورية لأسرته.. حتى أنه يوم أن علم بموضوع الريتريت سأل أحمد في البنك إذا كان بإمكانه عدم الذهاب معهم وأخذ تكلفة ذهابه نقدا كي تعينه على المعيشة، وكان رد أحمد عليه أن ذلك غير ممكن بالطبع وأن الريتريت رحلة مفروضة على الجميع حيث تعتبر رحلة عمل وليس ترفيها.. سكت حينها عم جمال متعجبا من غرابة تلك الحياة.
سنوات من الاجحاف مرت على عم جمال وساعده ابناه الشابان خلالها للإنفاق على المنزل.. كان أحدهما يأتي سرا بعد انصراف الموظفين إلى منازلهم كي يساعد عم جمال في أعمال النظافة الصعبة التي لا يقدر عليها في البنك.
وها هو الآن يجلس وقت العشاء وحده وجها لوجه أمام إيهاب علوان منتظرا ظهور باقي الموظفين.. يتفادى النظر إلى عينيه حتى لا تفضحه ملامح وجهه التي تنطق بسؤال واحد فقط:
لماذا تفعل بي ذلك يا سيادة المدير؟؟
***
بدأت الفرقة الموسيقية تعزف مقطوعة موسيقية هادئة في صالة الطعام، فعلى أنغام الكمان الساحرة التي يصاحبها عزفا على البيانو، أخذ رواد الفندق يتناولون عشاءهم باستمتاع مضاعف حيث متعة الموسيقي مع متعة جودة الطعام الذي يقدم في هذا المكان ذي الخمس نجوم.. وبعد قليل، بدأ الموظفون في الظهور الواحد تلو الأخر لينضموا لطاولة الطعام الكبيرة التي يجلس عليها إيهاب علوان.
فمن بعد وصول عم جمال أتى شاكر الليثي مهرولا حتى لا يتأخر على الموعد.. ألقى السلام على إيهاب علوان والذي رد عليه بطريقة متغطرسة ثم قام بالجلوس في المقعد الذي يجاوره.
كان إيهاب علوان ما يزال ينفخ سيجارته متأففا من تأخر الجميع حتى ولو كان لعدة دقائق.. أراد شاكر أن ينتهز تلك الفرصة حتى يقوم بالحديث معه مرة أخرى بشأن نقله من إدارة خطابات الضمان وتوليه رئاسة قسم أخر يمكن من خلاله أن يكتسب فيه خبرات جديدة ومعها تزداد حصته من الأرباح مثل زملاؤه في الإدارات الأخرى.
ولكن جلسة إيهاب علوان وتأففه كانا لا يبشران بأية محادثة.. كان ينفخ ويحرك رجله في عصبية انتظارا لباقي الموظفين المتأخرين عن موعدهم.. لم يكن ينظر في اتجاه شاكر ولا يوجه له أي كلمة مما أصاب الرجل بالإحباط.
يا ترى أين باقي الباشوات والهوانم! نحن هنا في رحلة عمل ولسنا قادمين للنزهة.
هذا هو إيهاب علوان بتسلطه وتعاليه.. يشعر من أمامه أنه لا يسوى شيئا.. ويحقر من شأن كل من لا يروق له وكل من هو خارج الدائرة المقربة منه وأولهم شاكر الليثي.
لم يكن شاكر من النوع الذي يرضي مدير مثل إيهاب علوان.. كان رجلا مستقيما كالقطار الذي لا يحيد عن القضبان، ليس له في الأساليب الملتوية، لا يعرف أن ينقل الأخبار أو يتقرب لمن هم أعلى منه شأنا.. ولكنه أيضا كان من الصراحة التي تصل أحيانا إلى درجة الوقاحة.. فلم تكن لديه أية كياسة في التعامل.. كثيرا ما تفوه بكلمات أثارت غضب رؤساءه عليه دون قصد.. كان يؤنب نفسه بعدها، ولكنه في المرات اللاحقة يظل يفعل نفس الشيء ويلقي كلاما يماثل إلقاء الحجارة في الماء الراكد.. وفي النهاية، لم يستطع أن يكسب ود زملاءه ولا حتى أن يجتذب العملاء المهمين إلى صفه لكي يشيدوا بعمله عند رؤسائه.
أما نظرة شاكر لنفسه فقد كانت تختلف عن تلك الحقيقة كثيرا.. لم يكن يدرك مدى صعوبة طباعه وأن تلك الطباع لا تناسب ظروف العمل وطبيعة البشر في تلك الأماكن.
كعادة معظم البشر، يظن دائما انه على صواب وأن الأخرين هم المخطئون.. نظرته لنفسه اتسمت بالاعتداد الشديد ولم يقبل أي نصيحة ولا توجيه بشأن تصرفاته الغير منطقية في كثير من الأحوال.
فكثيرا ما حاول زملاؤه المقربين كما حاولت زوجته أن تنصحه بضرورة الاتصاف بقدر من المرونة وأن يكون أكثر تقبلا للمحيطين به وأكثر مجاملة، ولكنه كل مرة يتحدث معه أحد في هذا الشأن يغضب وينفعل ويلوم الأخرين دون أن يقتنع ولو لمرة واحدة أن تصرفاته هي الخطأ وهي المثيرة لاستفزاز الكثيرين ممن يتعاملون معه.
تتعدد وجهات النظر في الموقف الواحد.. فما كان يراه شاكر تصرفا عاديا، يراه الأخرون حدة وعدم كياسة.. وما يراه من وجهة نظره اجحافا له وتعنت، يراه البعض حق مكتسب كنتيجة حتمية لطباعه وتعاملاته مع الجميع.
وما بين وجهتي النظر، احتار الأخرون كثيرا في أمور شاكر ولم يعرفوا كيف يتعاملون معه.. وهل هو فعلا على درجة من الغباء الاجتماعي التي تجعله يتصرف بطريقة معينة ولكن يغلب على تصرفاته حسن النية.. أم انه أحيانا يتعمد احراج من أمامه يجعله يشعر بالعداوة باستمراره في طريقته الحادة تلك.
