الفصل الرابع من رواية ريتريت

                   ( 4 )



في أول أيام تعيين شاكر الليثي في البنك وهو شابا في العشرين من عمره، كان لايزال أمامه الكثير من الخبرات التي يجب عليه اكتسابها والمزيد من الجهد الذي يجب بذله.. اعتقد أن واسطته سوف تجعل المدير يقوم بتعيينه في إدارة مميزة في البنك مثل إدارة الائتمان ولكنه فوجئ في أول عدة أشهر، وبعد قضائه فترة التدريب اللازمة مرورا بكل إدارات البنك، أنه تم تثبيته في إدارة خطابات الضمان وهي تعد إدارة صغيرة للغاية مقارنة بباقي الإدارات الأخرى.

لم تشفع له واسطته في التدخل من جديد لتحث المدير على نقله إلى الإدارة التي يرغب فيها، كما كان يجب عليه اثبات كفاءته حتى لا يقال إنه قد تم تعيينه بواسطة وتم نقله عن طريق واسطة أخرى.. كان الكلام واللغط كثيرا في البنك حين كان عدد الفروع قليلا وعدد الموظفين أيضا صغيرا.. لم يكن هناك خبرا يتم اخفاءه عن رؤساء مجلس الإدارة الذين كانوا بدورهم لا يتوانوا عن تعنيف كل من يقوم بتخطي حدوده الوظيفية أو عندما يشعرون بأن هناك تقصير ما من مدراء الإدارات المختلفة.

ظل شاكر الليثي على حاله في إدارة خطابات الضمان وقت أن كانت معظم القيود المحاسبية تتم يدويا، فكان دوره يقتصر على أن يقوم بملء الأوراق والمستندات الخاصة بخطابات ضمان العملاء بخط اليد ثم يتم ادخال تلك البيانات على جهاز الكمبيوتر من اجل التنسيق والمتابعة مع الإدارات المختلفة.. كما كان عمل التقارير الدورية الشهرية أيضا يقع من ضمن اختصاصاته وواجباته الوظيفية وذلك لتقديم تلك التقارير إلى رئيسه في العمل ومن ثم لمدير الفرع.

لم يطل اعتراض شاكر على وظيفته في قسم خطابات الضمان طويلا حيث وجد أنه لا فائدة من الاعتراض ولن يؤدي ذلك إلى أي نتيجة.. ظل يقوم بعمله المنوط به على الوجه الأكمل حتى يكون لديه بارقة أمل في الانتقال إلى إدارة أخرى إذا أثبت الكفاءة اللازمة.

عشرون عاما وشاكر يلهث وراء كل مدير ويتحدث عن اجحاف إدارة البنك في إعطائه الترقيات التي يستحقها.. عشرون عاما كاملة من العمل كموظف صغير في إدارة خطابات الضمان حتى تمت ترقيته إلى مدير تلك الإدارة وليس ذلك فقطما كان يتذمر بشأنه فقد كانت عينه على زملائه الأخرين الذين يعملون في الإدارات الأخرى والتى تكون نسبتهم أكبر في عائد الأرباح السنوية.

أما هو، فكان كل ما تحصل عليه ادارته من الأرباح نسبة ضئيلة يتم توزيعها على كافة موظفين الإدارة ولا يتبقى له منها بعد ذلك سوى أقل القليل.

ظل شاكر يشكو حاله إلى الجميع ولكن دون فائدة.. لم يتم نقله كما لم تتم ترقيته أية ترقيات استثنائية مثلما كان الحال مع باقي زملائه. 

ومع وجود طفلين يكبران وتزداد احتياجاتهما، لم يكن أمام شاكر الا أن يعمل ليلا في الخفاء محاسبا في احدى الشركات الخاصة حتى يستطيع تلبية احتياجات بيته المتزايدة.

عشرون عاما من الكره والغل أكنهما شاكر إلى رؤساءه في العمل وزملائه من ذوي الامتيازات الاستثنائية.

كان عليه أن يجامل وأن يظهر الولاء أمام مديريه وخاصة إذا طلب لمقابلة عميل مهم أو كلفه المدير بسرعة انهاء خطاب ضمان لشركة كبيرة، أما داخله فكانت النار لا تهدأ أبدا وهو يحاول أن يقدم سيرته الذاتية في بنوك أخرى حتى يلتحق بإدارة أفضل من تلك الإدارة التي يعمل بها ولكن طلبه كان يقابل بالرفض كل مرة وكان يفشل في الاختبارات اللازمة لأية وظيفة جديدة.

خليط من الإحساس بالفشل والضآلة أمام نفسه واحساس بعدم الرضا عن حاله، هذا ما كان يشعر به شاكر كل صباح وهو يرتدي بدلته كي يذهب إلى البنك.

كانت ابتسامته الهادئة تخفى بركان الغضب بداخله وهو يشعر أنه يكبر في السن وأنه لم يخلق أبدا لذلك العمل الروتيني حتى وان كان أصبح الآن مديرا للإدارة.

لم يكن أبدا الرضا في طبع شاكر بل كان التذمر حليفه على الدوام إلى الدرجة التي جعلت زملائه ومدراءه يملون منه ومن كثرة شكواه في كل المواقف المختلفة وبالذات وقت الترقيات الاستثنائية السنوية التي لم يكن أبدا اسمه موجودا في كشوفها!

***

بدأ الجميع يتناولون طعام العشاء دون أن ينطق أحدهم بكلمة.. كانت نظراتهم إلى بعضهم البعض تكشف كثيرا على ما في أنفسهم من كراهية وسوء ظن.. كان من النادر أن ينظر أحدهم للآخر نظرة ثقة أو حتى نظرة طمأنينة تنم عن نفسية سوية.. فالكل يعتقد أن الأخرين يخططون للايقاع به أو على الأقل ايذائه والتحدث على أي خطأ له عند المدير حتى يسخط عليه وبالتالي يحرم من الأرباح الاستثنائية.

قام إيهاب علوان بافتتاح الحوار متحدثا عن السنة المالية التي انتهت والتي لم يتحقق فيها الهدف او التارجت المطلوب من الأرباح.. بدأ حديثه لائما على الجميع، من أصغر موظف إلى أكبرهم.. كان في حواره ذو الطرف الواحد يجعل الجميع يشعرون بقلة التقدير وبأمنيته في استبدالهم جميعا بموظفين أخرين يكونون على درجة أعلى من الكفاءة والمهارة.

احتد في الحديث وقت أن كان الجميع فقط بحاجة إلى وجبة ساخنة وقسط من الراحة بعد يوم طويل من السفر.. اضطروا أن يفتعلوا الانصات إليه ونصفهم يسبه في عقله والنصف الأخر لا يبالي.. فكثرة اللوم والتأنيب جعلتهم في حالة تبلد غير عابئين، وبالذات إذا تكرر هذا التقريع كل مرة كان يجتمع فيها إيهاب علوان معهم.

استمر البعض في تناول العشاء وهم ينظرون إلى المدير تلك النظرة البلهاء التي تشعره انه على صواب وأنهم على خطأ سيتداركوه فورا.. أما البعض الأخر فحاول أن يرد عليه بكلمة أو كلمتين ولكنه أسكتهم حتى يقوم هو بالتحدث وحده معددا أمجاده السابقة في فروع البنوك الأخرى ولائما عليهم أنهم سيكونون يوما السبب في الإساءة إلى سمعته المهنية وهو ما لم يكن يسمح به أبدا.

***

ظلت رقية تنظر إلى إيهاب علوان وهو يهدد ويتوعد وعقلها شاردا في مكان أخر.. لطالما كرهت هذا الشخص من أعماق قلبها.. كرهته أكثر من كل الموجودين في هذا العشاء وعلى هذه الطاولة.. كرهته بمقدار عمرها كله الآتي والحاضر.. أذيته لها فاقت قدرة احتمالها النفسية.. أو على الأقل كانت هي من ترى ذلك وتؤمن به ايمانا شديدا. 

كانت تتمنى أن يختفي من على وجه الأرض.. وكثيرا ما كانت تصلي وتطلب من الله أن تأخذه مصيبة ما أو أن تحل به نكبة من النكبات فلا تعد تراه أو تسمع اسمه ولكنه كل مرة كانت أحواله تتحسن وكانت أموره مثلما هي افتراء ما بعده افتراء وعلو شأن يوما بعد يوم.

رقية، الانسانة ذات الطلة الهادئة والوجه الخالي من التعبيرات، ذات العيون الصغيرة والنظرات الثاقبة، قتلت إيهاب علوان في عقلها عشرات المرات.. وكل مرة كانت تقتله فيها بطريقة مختلفة.. كانت تستمتع وهي تشعر به يتعذب داخل عقلها.. تشعر به يصرخ ويستنجد ولا أحد يغيثه.

ومع سنوات عمرها التي تعدت الأربعين، كانت ألام رقية النفسية تفوق قدرة البشر على الاحتمال كما كانت بالفعل بحاجة إلى مساعدة نفسية متخصصة.

لم تكن رقية تريد السفر.. ويومها كانت حقيبة سفرها جاهزة بجوار باب الشقة ولكنها كانت تتعمد ألا تنظر ناحيتها ابدا كما انها كانت لا تنظر ناحية أختها أيضا.. فقط أطالت النظر إلى باب الحجرة المغلقة الذي يقع في آخر ردهة المنزل القديم.

- كيف لي أن أتركها وهي تعاني كذلك، ان قلبي لا يطاوعني يا أميرة.. أسمع آهاتها وأنا في غرفتي كل يوم ولا أدرى ماذا يجب أن أفعل..

التفتت رقية إلى أختها التي تصغرها بعامين وعيناها ملؤهما الدموع.. 

- ألا تسمعين آهاتها من غرفتك يا أميرة، أنا اذهب ا إليه في الليلة الواحدة عشرات المرات، أكاد لا افارقها أبدا.. هل ستستطيعين يا أميرة الاهتمام بها؟ أنت تعلمين انها قد ترغب في شرب الماء مرات عديدة في اليوم الواحد.. كمان انها تحتاج لمن يربت عليها ويقص عليها عدة حكايات حتى تخلد للنوم.. هل ستحملينها وتساعديها إذا أرادت الجلوس على المقعد...؟ هل.. 

قاطعتها أختها بصوت خفيض يائس قائلة: 

- يا حبيبتي قلت لك لا تقلقي عليها أبدا.. أنا هنا بدلا منك.. سوف اعتنى بها جيدا.. فقط اذهبى واستمتعى ببعض الوقت.. فأنت بحاجة إلى ذلك.. كما انها رحلة تخص عملك يا رقية.. وليس من الجيد ان تعتذري امام مدراءك.

أومأت رقية برأسها للأسفل ونظرت بجانب عينيها إلى حقيبتها الموضوعة بجوار الباب، ثم أطالت النظر إلى باب الغرفة المغلقة.. وقالت لأختها: 

- ومواعيد الدواء يا أميرة.. لا تنسي..

قامت أميرة من مكانها وأخذت أختها في أحضانها وطمأنتها كثيرا.. 

- هي ابنتي كما انها ابنتك يا رقية... هل نسيت ذلك؟

قامت رقية بالاتجاه ناحية باب الشقة وأخذت تجر حقيبة سفرها الصغيرة وفتحت الباب ثم قالت.. 

- لن أسلم عليها حتى لا أراها تبكي فيضعف قلبي..

ردت عليها أختها سريعا:

- أكيد يا رقية، ذلك أفضل، ان شاء الله تصلين بالسلامة ونطمئن إنك بخير.. فقط لا تقلقي.. كل الأمور سوف تسير وفق رغباتك..

أغلقت أميرة باب الشقة بعد خروج رقية التي أخيرا اقتنعت بضرورة الذهاب للحاق بزملائها.. وقفت بعدها في وسط الصالة ثم اتجهت عبر ردهة المنزل إلى غرفة الفتاة المغلقة.

قامت أميرة بفتح الغرفة لتجدها خاوية.. لم تندهش بل قامت بالجلوس على حافة الفراش المرتب وهي تفكر في أختها ومرضها النفسي الذي طال وطالت معه فترة انكارها للحقيقة الغائبة عن ذهنها وهي ان ابنتها قد توفيت منذ أكثر من خمسة سنوات مضت.

***

أبت الأقدار الصعبة أن تترك الأختين في حالهما.. فأحيانا يبتلى الانسان ويبدأ يسأل نفسه تساؤلات لا تنتهي.. لماذا أنا بالتحديد.. ماذا فعلت من ذنوب حتى يتم ابتلائي بمصائب أعجز عن تحمل مشاقها. 

هي أقدار وكفى.. هي القسمة والنصيب الذي يكتبه الله علينا ونظل نمني أنفسنا دائما أن النور موجودا في أخر النفق وأن هناك أملا بآخر المطاف.. نمني أنفسنا بأننا على قدر من القوة يجعلنا نحتمل تلك الابتلاءات ونتعامل معها.. نمني أنفسنا بأن لا حال يدوم ولا وضع يبقى وبأن التغيير هو سمة الحياة.. أقدار صعبة نتعايش معها ونتحملها في صبر وجلد على أمل أن الغد سوف يكون أجمل وأن الشمس مصيرها أن تشرق من جديد. 

وهكذا كان ابتلاء رقية.. كبيرا فوق طاقتها.. لم يستطع عقلها تحمله ولم تستطع الأيام أن تخف من حدة الآلام التي تعانيها.. أختها أميرة كانت شاهد على كل ما عانته في حياتها.. كانت أم الفتاتين أرملة كبيرة، كل أمنيتها في هذه الدنيا أن تزوج بناتها وترى لها أحفادا.. والبنتان تخطيتا عمر الزواج بسنوات ليست بالقليلة ولم تكن لديهن أدنى فكرة عما تفعله بنات هذه الأيام حتى تحصلن على عريس. 

كانت تربيتهما منغلقة تماما، فقد كانت أمهما تخاف عليهما من كل شيء من بعد وفاة الأب.. فالخروج أو حتى الاختلاط بالجيران كانا من الممنوعات.

بفارق سنتين فقط بينهما، التحقت الأختان بكلية التجارة في جامعة القاهرة.. كانتا تذهبان إلى الجامعة سويا في الصباح وترجعان معا أخر اليوم.. ومع وجود أم منغلقة الفكر، تحيا في خوف دائم من الدنيا والمصير بعد وفاة زوجها فجأة، لم يكن باستطاعة الأختين تكوين أي صداقات في الجامعة ولا حتى خارج أسوارها.

تعليمات الأم الصارمة بضرورة العودة مبكرا حين انتهاء المحاضرات، وبضرورة التزام الحرص عند مخاطبة الغرباء حتى لو كانوا زملاء دراسة، وبضرورة المشي بحذر في الشارع اتقاء لشر اللصوص الذين يسرقون حقائب الفتيات، كل هذه التعليمات خلقت في الأختين خوف من كل ما هو خارج حدود المنزل حيث لازمهما الذعر الذي زرعته الأم بداخل كل واحدة فيهما وظلتا على هذه الحالة حتى بعد التخرج وتعيين أحدهما معيدة في الجامعة والأخرى موظفة في قسم الحسابات ببنك استثماري كبير.

لم تدرك الأختان اختلافهما عن باقي المجتمع الذي تعيشان فيه إلا في السنوات الأخيرة بالجامعة فقد تم غرس مشاعر الخوف فيهما منذ الصغر وتوغل داخل ثنايا روحهما ليصبح جزءا أصيلا منهما.. صاحبهما الخوف ولازمهما في كل الأوقات.. حزنا كان أم فرحا.. فشلا كان أم نجاحا.. اعتادا على ذلك الشعور وأصبحوا غير عابئين له.. باتت كل تصرفاتهم من التلقائية بحيث بدأوا في الظن بأن الخوف هو إحساس أصيل في كل البشر وليس خللا في تركيبتهم الشخصية على وجه الخصوص.

سارت حياة الأختين بأيامها الرتيبة، يتحكم فيها الخوف، حتى بعد أن كبرتا. 

وزاد من ذلك الشعور وفاة الأم بعد فترة مرض قصيرة وهي التي كانت تمثل الدرع الواقي للبنتين في هذه الحياة، وتعمل على حمايتهم دائما من غدر الأغراب كما كانتا تعتقدان.

ظلت الأم قبل وفاتها توصي البنات – وهم على مشارف الثلاثين – بألا يثقوا أبدا في الأخرين، وألا يسمحوا لأي غريب أن يتعامل معهم الا في أضيق الحدود، وألا يفتحوا باب منزلهم أو باب قلبهم لأي من البشر.. وغيرها من الوصايا التي كانت تعمق فيهم الإحساس بالخوف تجاه أي شخص خارج محيط دائرتهم الصغيرة. 

ومع وجود عم واحد فقط لهما على قيد الحياة حيث أن باقي الأقرباء توفوا أو هاجروا إلى الخارج، ازداد انغلاق البنتان على أنفسهما وازدادت رهبتهما من كل من يحاوطهن من بشر، بداية من بائع الفاكهة المتجول وحتى عمهما نفسه الذي لم يسلم من احساسهما بعدم الثقة التام تجاهه.

لم يكسر تلك القاعدة من الخوف المزدوج إلا عندما شعرت رقية بالحب يداعب مشاعرها لأول مرة في حياتها حيث كان هناك شابا في الجوار يتعقبها دائما وهي ذاهبة إلى عملها في البنك وينتظرها في نفس الميعاد دائما عند عودتها بالتاكسي.. يطيل لها النظرات ويتابعها بعينيه حتى أنها لاحظت ذلك في يوم ما وبدأت تخاف أكثر فأكثر من ملاحقته لها بنظراته الساهمة.

تجرأ الشاب يوما وأومأ لها بابتسامة مما جعل قلبها يخفق بشدة داخل أضلعها وأدارت وجهها إلى الناحية الأخرى من الطريق حتى تتفادى نظراته لها تماما.

لم تستطع رقية أن تبعد هذا الشاب ولا ملاحقته وابتسامته الهادئة لها عن تفكيرها.. كما لم تجرؤ على مفاتحة أختها أميرة في هذا الموضوع ولا حتى الإشارة له من بعيد.. كانت أجبن من أن تقول مثل هذا الأمر لأختها حيث يمكنها أن تتعرض لبعض التعنيف أو قد تفهم أختها الموضوع خطأ.. وفى كل الحالات فليس هناك ما يمكن أن يقال أساسا.

ظلت تقنع نفسها بأنها كما هي لم يتغير بها شيئا ولكن مع تكرار ابتسامة الشاب لها في أياما كثيرة، ومع بحثها عنه بعينيها في الأماكن التي اعتاد الوقوف فيها عند غيابه عنها يوما، أدركت رقية أن شيئا ما بداخلها قد بدأ تغير.. كانت ابتسامة الشاب تلاحقها في كل مكان، أصبحت شاردة البال في كل الأوقات خاصة أثناء وقت العمل.. كما أن أختها بدأت تلاحظ عليها بعض التغيير وتسألها عما أصابها تلك الأيام فهي لم تعد رقية التي تعرفها.

ويوما من الأيام تجرأ الشاب واقترب من رقية وهي في انتظار التاكسي صباحا.. دنا منها قائلا:

- صباح الخير.. أنا اسمي عبد الله.. سوف أنتظرك عند عودتك من العمل مساءا حتى نتكلم سويا من فضلك.

ذعرت رقية وظل قلبها يدق بشدة حتى أنها تخيلت أن الشاب يسمع دقاته من على البعد، أومأت إليه ونظرت له نظرة سريعة ثم أدارت وجهها الناحية الأخرى:

- أرجوك ابتعد عني وإلا أبلغت عنك الشرطة، أنا لا أعرفك حتى تحدثني لا الآن ولا في أي وقت أخر.. ان لم تبتعد سوف أصرخ بأعلى صوتي وأدع الناس يقومون معك باللازم.

- لماذا كل هذا! يا آنسة أنا لا أعاكسك، وليس من طبعي معاكسة البنات في الشوارع.. كل ما أريده هو أن أعرف عنك المزيد حيث أنني أود أن أتعرف على عائلتك.. ولكي يحدث ذلك فيجب على الأقل أن أجلس معك مرة واحدة نتحدث فيها سويا.. وإذا تضايقت من ذلك فأنا أعتذر وأسحب كلامي واعتبري أنني لم أحدثك اليوم من أصله.

وقبل أن يدير الشاب ظهره لها كي يمشي إلى حال سبيله، لم تستطع رقية السيطرة على لسانها وهي تقول له:

- حسنا، انتظرني هنا الساعة الخامسة ويمكنك أن تتحدث معي ولكن لدقائق معدودة.

ابتسم عبد الله ابتسامة انتصار وهو يعدها أنه سينتظرها في تمام الخامسة، أما هي فركبت التاكسي في عجالة حتى أنها كادت أن تقع على وجهها من فرط اضطرابها وسارت بها السيارة وهي تحدث نفسها قائلة:

"هل جننت يا رقية؟ ما هذا الذي تفعلينه وأي حماقة تلك التي ترتكبينها"

***

اتخذت دليلة مكانها بجوار إيهاب علوان على مائدة العشاء، كانت ترتدي فستانا اسود قصير ذو صدر مكشوف تاركة شعرها الأسود منسدل على كتفيها، واضعة على وجهها مساحيق التجميل الكثيفة من أحمر شفاه قاني إلى رموش اصطناعية طويلة.

ظلت دليلة تنظر إلى إيهاب علوان طوال الوقت وهو يتحدث للجميع معلنا عن استيائه الشديد نتيجة عدم تحقيق الأهداف المرجوة خلال العام.. صوته كان عاليا وهو يوجه كلامه إلى الكل بداية من عم جمال الذي لا ذنب له في شيء وحتى شاكر مرورا بأحمد ورقية والأخرين.

أبدت دليلة اهتماما تاما بكل ما يقوله إيهاب علوان.. كانت في قرارة نفسها تكره طريقته المتعالية على الجميع.. فكثيرا ما كان يعاملها بنفس الطريقة المتغطرسة موجها لها اللوم في العديد من الأمور.. أما محاولاتها لاستمالته لها بكل الطرق فكانت لا تأتي بالنتائج المرجوة إلا مرات قليلة.. كانت في بعض الأوقات تشعر أنه يعاملها على أنها مجرد سكرتيرة ذات شأن أقل من كل موظفي البنك الأخرين.. وأوقاتا أخرى كان يرضخ لطريقتها الناعمة ويتعامل معها برقة شديدة.

"ما أكثر وعود هذا الرجل لي.. وما أغباني!"

تعليقات