( 10 )
كواليس الأماكن دائما تحتوي على كل الأسرار.. فالممثلين في المسرح يكونوا على طبيعتهم خلف الكواليس وقبل الظهور على خشبته.. يكون كل منهم على سجيته.. يتحدثون على طبيعتهم ويمارسون حياتهم بدون ذلك القناع الذي يضعونه على وجوههم لمواجهة الجمهور.. تدور بينهم الحوارات والأحاديث وتظهر العلاقات المتشابكة بين أفراد العمل.. يكون الأبطال مجرد بشر، يضحك ويتألم وينفعل ويحب وكثيرا من الأحيان يكره بدون أسباب منطقية.
كواليس الريتريت تشابهت مع كواليس المسرح تماما.. فما كان يحدث على الساحة الخارجية يختلف تمام الاختلاف عما كان يحدث وراء الكواليس.. كان هناك عالما أخرا مبني على علاقات متشابكة ومعقدة.. مصالح مشتركة ومتنافرة.. يظهر الكل على حقيقته التي قد يتظاهر بعكسها تماما أمام الجميع.. فلا أحد طيبا لحد السذاجة ولا أحد شريرا لحد الايذاء.. الكل خليط من هذا وذاك.. والكل له جوانب كثيرة خفية في شخصيته لا تظهر إلا خلف الكواليس.
شاكر الليثي دائما يحمل هما كبيرا.. كان من الواضح الظلم الشديد الذي قد تعرض له من حيث عدم ترقيته كل هذه السنوات.. عانى دائما وهو يشعر أنه مظلوما ولم يحصل على حقه مثلما حصل عليه زملاءه الذين يتقدمون في وظائفهم يوما بعد يوم.. ظل على حاله في نفس الإدارة طوال سنوات طويلة.. لم يكن يحصل على عائدا يرضيه من الناحية المادية أو المعنوية.. كان دائما أقل من الأخرين.. ولم تنصفه أي إدارة للبنك على مدار توليه وظيفته منذ سنوات عديدة.
هل كان غير جدير بالترقية أم أن الحظ السيء فقط كان حليفه.. هو يعلم تماما أنه يعطي العمل كل أولويته.. ولا يقصر أبدا في تأدية مهامه الوظيفية.. مشكلته تتلخص في عدم الكياسة وسوء التصرف الذي ظل يلازمه كطبع أصلي منذ أن تكونت شخصيته على مدى سنوات.. عدم اللباقة في الحديث وعدم القدرة على التملق الذي كان مطلوبا في كثيرا من الأحيان.
ظل شاكر الليثي على هذا الحال حتى جاء يوم قرر فيه أن يأخذ حقه بنفسه ولا ينتظر أكثر من ذلك.. كان هذا القرار وليد اللحظة.. لم يفكر طويلا حيث كان قد أخرس صوت ضميره.. فإذا فكر قليلا كان ليعدل عن هذا القرار الذي لا يتناسب مع مبادئه وأخلاقه.
قام شاكر الليثي بأخذ أول رشوة في حياته من عميل كبير نظير تسهيلات قام بعملها خاصة بالضمانات المطلوبة لإصدار خطاب الضمان البنكي، فعادة يجب أن يكون هناك تغطية تأمينية للقيام بإصدار المستندات ومجموعة من القواعد والشروط يضعها البنك حتى تضمن الأرصدة المذكورة في الخطابات.. ولكن شاكر الليثي بصفته مديرا لتلك الإدارة بدأ في عمل تسهيلات في الخفاء لبعض العملاء حتى قاموا بإصدار خطابات الضمان دون الضمانات الكافية مما يعد مخالفة جسيمة تعرض البنك وأمواله للخطر.
لم ينم شاكر ليلة أن قام بهذا الفعل وبعد أن اتفق مع العميل على القيام بتلك التسهيلات مقابل إيداع بنكي يضعه العميل في حساب باسم زوجة شاكر في بنك أخر.. أراد إبعاد الشبهات عنه وفى نفس الوقت رأى أن ما بدأ يفعله هو حق له وأنه يأخذ ما لم تعطه الإدارة بإرادتها ودون علم أحد.
ظل شاكر يختلس الأموال خفية ويتفق مع العملاء على العديد من التسهيلات مقابل الضمانات المطلوبة.. كان الوحيد القادر على إخفاء هذا الأمر حيث كان له حق التوقيع على المستندات الداعمة لكل عملية ضمان ولا يوقع بعده سوى مدير الفرع والذي غالبا ما كان يوقع دون أن يقرأ المستندات بالتفصيل.
ومرة بعد مرة اعتاد شاكر على ذلك وأصبح يعتبره حقا مكتسبا.. لم يتم اكتشاف أمر شاكر والتسهيلات التي يقوم بها مما شجعه على التمادي في الأمر وبالطبع إخفاء ما يفعله عن أعين الجميع وأولهم زوجته التي أقنعها أن تلك الزيادة في الأموال هي من تجارة قد بدأ فيها عن طريق استيراد بعض قطع غيار السيارات وإعادة بيعها في السوق بأضعاف سعرها الأصلي.
كانت كواليس الريتريت مختلفة عن ظاهره تماما.. فخلال ثاني يوم من الأيام وعند القيام ببعض الأنشطة الجماعية التي اشترك الكل في عملها، طلب إيهاب علوان من شاكر الليثي أن يتحدث معه على انفراد.. كانت نبرته حادة قاسية وهو وهو يخبره أنه يريد التحدث معه في أمر هام ولا يريد للجميع ملاحظة أنهم يجلسون سويا بمفردهم.. وطلب منه أن يمر على غرفته ليكونا بعيدا عن أعين الناس.. وبالفعل ذهب شاكر إلى غرفة إيهاب وقت المغرب قبل ميعاد تناول العشاء مباشرة وذلك قبل أن يتجه معظم الناس لصالة الطعام ويلاحظ أحدهم غيابه.
سأل شاكر على رقم غرفة إيهاب في الاستقبال واتخذ المصعد وقام بالطرق على باب الغرفة عدة طرقات صغيرة متتالية.
فتح له إيهاب علوان الباب وأخبره بالدخول في شرفة الغرفة.. قام إيهاب بإشعال سيجارة ونفث دخانها بعمق، نظر إلى شاكر الليثي ولم يتكلم.
تملك القلق من شاكر وبدأ بالحوار:
- خير يا ريس.. لقد أقلقتني عندما طلبت مني المجيء دون أن يلحظ أحدا.
نظر إيهاب علوان من الشرفة نظرة طويلة على الأفق الذي كانت شمسه توشك على المغيب عاكسة أشعتها البرتقالية على صفحة مياه البحر الهادئة.. ظل ينفث في دخان سيجارته ولم يوجه نظره إلى شاكر وقال بنبرة صوت عميقة خلعت قلب شاكر من أضلعه:
- أتعلم أنه لا يخفى على خافتة في هذا البنك؟ فأنا أعلم الصغيرة قبل الكبيرة وأعرف عن كل شخص أحيانا ما قد لا يعرفه عن نفسه.
- ماذا تقصد يا إيهاب بك؟ أنا لا أفهم.
قالها شاكر وسرعة ضربات قلبه كادت أن تخلعه من بين ضلوعه.
- أنت تعلم تماما ماذا أقصد يا شاكر.. رجاء ألا تستهين بقدراتي العقلية لتلك الدرجة.
- حقا لا أعلم يا ريس.. ولا أقدر طبعا الاستهانة بك أبدا ولا بكلامك.
- كم جمعت من أموال حتى الآن يا شاكر؟ أترغب أن أقول لك حجم رصيد زوجتك في البنك بالتفصيل؟
انتابت شاكر لحظات من الصمت وزاغت عيناه ولم يدر ماذا يقول أو يفعل.. استطرد إيهاب علوان قائلا:
- لقد فضلت أن تعرف مني مباشرة أني على دراية بكل شيء.. وسوف أتركك لتفكر في كيفية التصرف.. ماذا تفعل ليس من شأني هو شأنك أنت وحدك.. حاول أن تقيم الموقف وتأتي لي في الغد تخبرني بقرارك.
- أي قرار يا إيهاب بك؟ عن ماذا تتحدث؟
قالها شاكر بصوت مرتعش.
- لا تتغابى يا شاكر ولا تعبث معي.. قلت لك اذهب وفكر وعد لي بقرار.. اما أن نبقي هذا الموضوع بيننا أو نعلنه على الملأ وتتحمل تبعاته.. والقرار بيدك وحدك.. وأمامك مهلة إلى الغد.. أما الآن فاغرب عن وجهي واغلق الباب جيدا ورائك.
لم يعتقد شاكر أنه يمكن أن يتعرض لهذا الموقف المهين ولا أن يكون من يقوم بإذلاله هو أكثر شخص يكرهه على وجه الدنيا.. فهو من غباءه لم يحسب حساب لذلك اليوم.
كان يعلم أن ما يفعله خطأ كبيرا ولكنه بالنسبة له كان خطأ مبررا.. كان مجرد استرداد لحقوقه التي لا يريد أحدا أن يلقي لها بالا ولا أن يقوم بإعطائه إياها.. حقوقه التي كثيرا ما طالب بيها ولم يهتم به أحدا.. والآن يذله إيهاب علوان ويهدده بفضح الموقف.
قام شاكر بسرعة من على مقعده وهو ينتفض وترك إيهاب علوان داخل الشرفة ينفث دخان سيجارته، ترك الغرفة سريعا وأغلق الباب ورائه.. كانت أنفاسه متسارعة ووجهه مكفهرا من فرط الانفعال.. لم يلحظ دليلة التي لمحته خارجا من غرفة إيهاب حين كانت في طريقها إلى غرفتها.. مشي شاكر مهرولا في الممر الفاصل بين الغرف لا يدري على ماذا ينوي.
***
مر الليل بطيئا طويلا كسحابة سوداء تغطي كل الرؤوس كضباب داكن كثيف يكاد يخنق البشر ويئد معهم أسرارهم التي قد يخفوها حتى على أنفسهم ولا يقدرون على مواجهتها.
استمرت التحقيقات مع أفراد الريتريت المستمرين على حالة الاستنكار الشديدة لما يحدث ولما آلت إليه الأمور.
أما رقية فقد ازداد توترها الشديد في هذه الفترة واضطربت كثيرا حين استدعاها الضابط إلى التحقيق.. قضت معه ساعة كاملة ثم انهارت أعصابها تحت ضغط أسئلته الكثيرة.. خرجت رقية من حجرة التحقيق وهي ترتعد حتى وصلت إلى غرفتها وارتمت على فراشها تبكي ثم قامت بالاتصال بأختها أميرة التي أخذت في تهدئتها.
- اهدأي يا حبيبتي.. أنا مستعدة لأن أحضر لك محامي إذا كان الأمر بمثل تلك الصعوبة يا رقية.
- محامي؟ أنا صحيح في موضع اتهام يا أميرة ولكن مثلي مثل الأخرين.. كلنا متهمون حتى نستطيع اثبات عكس ذلك.
استطردت أميرة في الحديث مؤكده على أهمية المحامي وأنه سيعمل على تنظيم كلام رقية فلا تنفعل ولا تتعب أعصابها وتقول شيئا من شأنه أن يضر بوضعها في تلك التحقيقات.
- أتعلمين يا أميرة أنني قد بدأت أشك في نفسي.. فأنا لا أعلم ان كنت حقا قد قتلت إيهاب علوان أم لم أقتله.. فأنا بالفعل قتلته في عقلي العشرات من المرات من قبل وكل مرة كانت بطريقة مختلفة عن سابقتها.
- حذار أن تقولي هذا الكلام يا رقية فأنت بذلك سوف تضرين نفسك أشد الضرر.. كلانا يعلم أنك يا حبيبتي لا تستطيعين إيذاء مخلوق على وجه الأرض فما بالك بجريمة بشعة كتلك.. راقبي كلامك يا رقية حتى لا يؤخذ عليك من فضلك.
قالت ذلك أميرة وهي في غاية الانفعال من تصرفات أختها اللاإرادية والتي قد تضعها في مصيبة لن تستطيع إخراجها منها أبدا.. تعلم مدى اضطراب أختها ولكنها لم تعتقد أن الأمور يمكن أن تصل إلى هذه الدرجة من التعقيد.
- الضابط سألني عن علاقة إيهاب علوان بي كمرؤوسة لديه ولم أستطع أن أخفي عليه أنه قد أذاني ونقلني بعيدا عن القاهرة وقت أن كنت بأشد الحاجة أن أبقى بجوار غالية يا أميرة.. أنا أكره هذا الرجل كراهية شديدة ولن أستطيع أن أخفي ذلك.
سكتت أميرة على الناحية الأخرى من الهاتف ثم أخذت تنصح أختها بضرورة توخي الحذر وألا تنطق بكامل الحقيقة دائما بل ينبغي لها أن تتمتع ببعض الدبلوماسية في الحوار على الأقل حتى لا تزيد من شكوك الشرطة فيها.
- لم أقدر على الكذب واخفاء مشاعري.. فقط لم أقدر يا أميرة.
- يا رقية كلانا يعلم أنك بريئة من شيء بشع كتلك الجريمة.. لا تدعي الشكوك تحوم حولك ودعي التحقيقات تأخذ مجراها الطبيعي حتى يتم اكتشاف الجاني.
كادت أميرة أن تموت كمدا من تصرفات أختها الخالية من أية حكمة ومنطق.. شعرت أنها قد تكون كبش فداء إذا لم تجد الشرطة الفاعل الحقيقي وإذا مات إيهاب علوان.. تملك منها الانفعال وهي ترجوها أن تصمت إذا طلبت مرة أخرى للتحقيق وألا تعبر عن مشاعرها ولا عما يجول في فكرها أبدا أمام الشرطة.. كانت على يقين أن أختها بريئة ولا تستطيع أن تؤذى أحدا.. ولكن اضطرابها النفسي قد يأخذها في سكة خطرة للغاية.
وفى أخر المكالمة بين الأختين وبعد أن تعبت أميرة من نصحها لأختها ومحاولة افهامها ماذا تفعل وكيف تتصرف.. ظلت رقية على الناحية الأخرى من الهاتف صامتة تماما تستمع إلى نصائح أختها وتعليماتها وحين انتهت أميرة من كلامها سألتها رقية:
- كيف هي غالية يا أميرة.. أريد أن أطمئن عليها.. لقد أوحشتني كثيرا.
***
وصلت حنان المستشفى قلقة متوترة وصعدت على فورها للغرفة التي يرقد بها زوجها.. كانت قد أتت من القاهرة تقود سيارتها عندما تم اخبارها بضرب إيهاب علوان بالرصاص.. قررت أن تترك الولدين لدى أهلها وتأتي بمفردها حيث تعللت أنها لم تكن تريد أن تعرضهم لموقف قد يحفر في ذاكرتهم ويكون من الصعب عليهم احتماله.
وفور وصولها المستشفى، سألت على مكانه في الاستقبال ثم صعدت إلى الطابق الذي أشارت عليه الموظفة ووجدت عسكري جالسا على باب غرفة الرعاية من الخارج يشرب كوبا من الشاي.
استوقفها العسكري وسألها عن هويتها وعن علاقتها بإيهاب علوان.. أثبتت له أنها زوجته وطلبت منه الدخول لرؤيته.. دخلت الغرفة الممدد بها عدد من الأسرة بها مرضى كلهم تحت الرعاية المركزة.. بدأت تبحث بأعينها عن إيهاب حتى وجدته مسجيا على الفراش، نصفه الأعلى عاريا إلا من العديد من الضمادات والأربطة الطبية التي كانت تحيط بكتفه وتثبت ذراعه المعلق على رقبته.
كان الطبيب واقفا بجوار إيهاب فقد كان واضحا انه وقت المرور الدوري للأطباء على الحالات للكشف والمتابعة.. وعند رؤية الطبيب لحنان طلب منها أن تلتزم بوقت الزيارة وألا ترهق إيهاب علوان الذي لازال في غيبوبة ولم يفق منها حتى يتم نقله إلى غرفة عادية.
سألت حنان الطبيب على حالة زوجها وأخبرها أن وضعه لايزال حرجا وان كتفه قد تعرض إلى حالة من التهتك الشديدة والتي قد تؤثر على كفاءة استخدام الذراع مدى حياته.. وأن دور الطب في هذه الحالة هو محاولة الحفاظ على حالة الذراع والكتف من الضرر الذي تعرض له ثم يأتي دور العلاج الطبيعي بعدها كي لا يؤثر الحادث على حركة الذراع.
غادر الطبيب حتى يكمل مرور على باقي المرضى وترك حنان واقفة أمام إيهاب علوان تتطلع إليه وفيما آل إليه حاله.. رأت أمامها شخصا ضعيفا لا حول له ولا قوة.. لا يشعر بشيء مما يدور من حوله.. يفتح عيناه لمدة ثوان لترى نظراته الحائرة ثم يغلقها سريعا مرة أخرى حتى يذهب من جديد في الغيبوبة.
جلست حنان على المقعد الوحيد الموجود وأطالت النظر إلى زوجها.. كانت من داخلها تتمنى أن تأتي إلى المستشفى فلا تصعد إلى ذلك المكان ولا تشاهده أبدا على تلك الحالة.. كانت تتمنى أن يخبروها في الاستقبال أنه قد مات.. وأن تأتي لتشاهده مفارق الحياة وتبدأ في عمل إجراءات دفنه.. ففي اليوم السابق عندما تلقت حنان خبر إصابة إيهاب علوان في الهاتف، اصطنعت الدهشة والخوف الشديد عليه.. كانت قد عقدت العزم أن تأتي في الصباح إلى الغردقة متمنية بداخلها أن يكون كل شيء قد انتهى فور وصولها.. دعت أن يموت إيهاب علوان متأثرا بجراحه وأتت بالفعل مرتدية الملابس السوداء استعدادا منها لتلقي العزاء وترتيب أمر نقل الجثمان والدفن والجنازة.
خذلتها توقعاتها ووجدت إيهاب لازال حيا.. نظرت إليه وسألت نفسها لماذا لا يموت؟ لماذا لايزال به نفسا يخرج ويدخل في رئتيه؟ لماذا تسمع بموت الكثير من الناس وتقرأ كل يوم عن الجرائم التي ترتكب في حق ناس أخرين ثم ترتكب الجريمة في حق إيهاب علوان ومع ذلك يظل حيا.
لم تعد تستطيع أن تتطلع في وجهه ولا أن ترى ملامحه التي باتت تكرهها.. كانت تريده أن يختفي من تلك الحياة حتى تستطيع أن تتنفس هواء غير الذي يتنفسه.. كانت تشعر بثقل وجوده في محيط حياتها.. وصلت إلى درجة من الكراهية انعدمت معها أي مشاعر إنسانية يمكن أن تشعر بها تجاهه.
لم يعد باستطاعتها التحمل أكثر من ذلك.. فلم تكن تريد أن تراه أمامها.. فكرت كثيرا فور تلقيها خبر اصابته أن تأتى وتفصل عنه أية أسلاك أو أجهزة تبقيه على قيد الحياة طالما لايزال في قلبه نبض.. ولكن مع الأسف لم يوضع إيهاب على جهاز للتنفس الصناعي وكل الأسلاك التي كانت تحيط به لم تكن سببا في بقاءه حيا إلى الآن.. وحتى لو فكرت حنان في ايذاءه فان العسكري موجودا بالخارج وهي الزائر الوحيد لإيهاب علوان وسوف تتجه كل الشكوك إليه.
أفاقت حنان على أفكارها الشيطانية وقررت طردها من عقلها بذهابها إلى كافيتريا المستشفى لاحتساء فنجان من القهوة لعلها تفيق قليلا من تلك التخيلات.
جلست حنان وحدها على المقعد المعدني وأمامها قهوتها وأخذتها أفكارها الي حياتها مع إيهاب علوان منذ بدايتها وما آلت إليه أمورها معه الآن.
سئمت حنان الحياة وفاض بها الكيل من جراء تصرفات إيهاب علوان معها وطباعه الصعبة التي فشلت في تغييرها.. كانت تعيش معه الحياة ويتضاعف عمرها عشرات السنوات فوق عمرها الحقيقي من كثرة ما مرت به معه من هم وغم من هم وغم.
حاولت كثيرا أن تقوم من أخلاقه.. جربت أن تعدل من سلوكه وتعرض عليه أن يلجأ إلى مختص فكان يسخر منها كثيرا.. انتهت العلاقة الزوجية بينهم منذ أكثر من خمسة سنوات.. فلم يعد إيهاب يلمسها ولا يعطيها حقوقها الشرعية.. نفر منها ونفرت منه واستسلمت لهذا الأمر ورضخت له في النهاية.. كثيرا ما فكرت في الطلاق من إيهاب وانقاذ البقية الباقية من تلك الحياة السقيمة التي تفضي إلى الموت البطيء.. ولكنها كانت تعدل عن ذلك التفكير كل مرة حين يدخل إيهاب في مغامرة عاطفية جديدة وتدرك أنها وقت أن تتركه ستأتي أخرى تأخذ مكانها في البيت وفي حياة أولادها بأكملها.
لم تكن حنان تعمل.. تركت العمل بناء على رغبة إيهاب في أول سنة للزواج.. لم تكن تعتمد على نفسها ماديا ولا امتلكت المال الذي يمكنها من أن تستقل بحياتها مع الأولاد بعيدا عن إيهاب وعن مشكلاته النفسية المتعددة.
فكرت حنان أن تخونه وتثأر لكرامتها.. ولكن أخلاقها منعتها من ذلك.. فكرت في اللجوء لأهلها ولكنها وجدت منهم صدا كبيرا فقد كانوا أول المعارضين على تلك الزيجة.
لم يكن أمام حنان إلا اللجوء للأطباء النفسيين وتعاطي العديد من المهدئات حتى تستطيع التحمل وتكملة هذه الحياة المحكوم عليها بالفشل من كل النواحي.
كرهت إيهاب علوان وكرهت علاقاته الغرامية المتعددة والتي كانت تعرف بها كل مرة إما عن طريق التفتيش ورائه أو عن طريق إحدى الصديقات.. فكرت أن توشي به عند مدراءه من أفراد مجلس إدارة البنك ومن لهم شأن في هذا الصرح الكبير ولكنها لم تقدم على ذلك خوفا على سمعة أولادها.
أغلقت كل الطرق أمام حنان ولم تجد لنفسها مخرجا سوى المزيد من المهدئات التي تجعلها لا تفكر ولا تشعر وتصيبها بحالة من البلادة تجعلها تتحمل تلك الحياة القاسية بكل ما فيها من منغصات.
عادت حنان إلى غرفة الرعاية، جلست من جديد على الكرسي الوحيد الموجود خلف الفراش، نظرت إلى جسد إيهاب الممدد أمامها، ودعت بينها وبين نفسها أن يخلصها ربها مما تمر به وأن يأخذ روح إيهاب عاجلا وليس آجلا.
***
بعض الأيام تمر كأنها سنوات.. تظل ذكراها الأليمة مصاحبة لأفكارنا تأبى أن تغادرها بسهولة.. بعض الأيام تكون قاسية على النفس، ثقيلة على الروح، يتمنى أن ينساها الفرد منا ولكنها تظل تطارده حتى تتمكن منه وحينها يمكن أن تقضى عليه....
مر يوم قاس على أفراد الريتريت.. لم يغادر منهم أحد الفندق حيث أن التحقيقات مع الجميع لم تكن قد استكملت بعد.
استيقظ معظمهم في الصباح الباكر وتوجهوا إلى المطعم للإفطار.. كانت أول من وصل في الصباح هي دليلة والتي كان يبدو على وجهها عدم النوم حيث كان السواد تحت عينيها وكانت على هيئتها الطبيعية غير بدون مساحيق التجميل الكثيرة التي تضعها عادة.
انضمت رقية إلى دليلة بعد قليل وشاركتها مائدة الإفطار.. ذهبت رقية لتأتي بالطعام في صحنها ولم تنس نصيب الطيور من بقايا الخبز كما هي عادتها كل يوم.
ظلت رقية جالسة برفقة دليلة لا تتحدثان حتى أتى أحمد وألقى عليهم تحية الصباح.. ردتا التحية وانضم بدوره إلى جلستهم الصباحية.
كان أحمد يبدو مهموما شاردا.. لم ينم هو الأخر وظل يفكر في أحداث الأمس الكثيرة وما آل إليه حال الجميع.
وبعد قليل جاء شاكر الليثي ولم يلق التحية على أحد واتجه إلى منضدة بعيدة ليتناول طعامه في صمت وانضم إليه بعدها عم جمال حيث كان لايزال يمشي بصعوبة شديدة وكان واضحا عليه الألم الشديد.
وأثناء جلوس الجميع وصمتهم وقت الإفطار، قرر أحمد فجأة أنهم بحاجة إلى التحدث مع بعضهم البعض.. فهم الآن في مأزق شديد وينبغي عليهم المواجهة وتوضيح الأمور حتى يتم خروجهم من هذا المأزق بسلام.
قام أحمد من مكانه وطلب من شاكر وعم جمال أن ينضما للباقين في جلستهم.. ترك شاكر مقعده على مضد وأخذ قهوته معه واتجه بصحبة عم جمال إلى حيث تجلس رقية ودليلة.
أخذ كل منهم مكانه وقام أحمد ببدء الحديث قائلا:
- أعلم أن كل شخص منكم متوتر وقلق.. فكل منا يتمنى أن يفيق إيهاب بك وينتهي هذا الكابوس بمعرفة مرتكب الجريمة والذي يخفى علينا جميعا.. ولكن يا جماعة لابد أن نعلم أننا في مركب واحد.. وأننا جميعا الأن في موضع اتهام.
- تحدث عن نفسك رجاء.. أنا لست في موضع اتهام ولن يستطيع اتهامي أحد.
قالها شاكر الليثي بكل عصبية وانفعال.
رد عليه أحمد وهو يحاول الاحتفاظ بنبرة صوته الهادئة:
- هذا لا يعيبك يا أستاذ شاكر.. فكلنا متهمون.
- لا تعيدها مرة ثانية يا أحمد.. فأنا لا أسمح لك.. أنا قلت إنني خارج دائرة الاتهام وأن التحقيق الذي يحدث معي غرضه فقط استيفاء الأوراق الرسمية أما أن تقول اتهام فأنا لا أقبل منك هذا الكلام.
نظرت دليلة بعصبية ناحية شاكر وردت بحدة:
- ولماذا تعتبر نفسك فوق دائرة الشك يا شاكر.. من أنت حتى تظن نفسك أنك مختلف عنا جميعا.. ومن أين لك بتلك الثقة المفرطة.
لم يعيرها شاكر اهتماما ورد موجها كلامه للجميع:
- أنا لست مثلكم.. فأنا سمعتي فوق مستوى الشبهات ولا أقبل أبدا أن أكون في موضع اتهام.
- وهل ترى أننا في مستوى الشبهات يا شاكر؟ ما هذا الهراء الذي تقوله.
قالتها دليلة وهي لاتزال موجهة كلامها إلى شاكر الذي رفض مجددا أن ينظر إليه ولا أن يمنحها اهتماما.
تدخل أحمد في الحوار قائلا:
- أعتقد أن هذا الحادث جعلنا نكتشف بعضنا البعض من جديد.. دعوني أخبركم عن نفسي فأنا أصبحت لا أثق بأحد منكم مطلقا والكل في نظري مدان حتى يثبت لنا عكس ذلك.
- أنا أريد الذهاب إلى منزلي.. يكفيني ما لاقيته مع الضابط الذي كان يصر على أنني متهما مثل الجميع.. أنا لم أفعل شيئا وكل ما أريده هو العودة إلى القاهرة لتلقي العلاج.. منك لله يا أستاذ أحمد فأنت من أصريت على مجيئي إلى هنا بعد أن كنت رافضا لفكرة السفر من أساسها.
كاد عم جمال أن يبكي منفعلا وهو يلوم أحمد على إصراره على السفر.. استدار إليه أحمد بكل جسده وبدت على وجهه علامات الغضب وأردف قائلا:
- الحق علي فعلا يا عم جمال أني أردت لك أن تغير جوا بعد فترة طويلة من العلاج والبهدلة في المستشفيات.. أتعلم ماذا.. أنا بالفعل مخطئ فما كان يجب أن أهتم وما كان يجب على أن أسألك حتى عن استعدادك للسفر.. أعدك أنها غلطة لن تكرر أبدا.
قالها أحمد في تهكم شديد ثم استدار مرة أخرى معطيا ظهره إلى عم جمال مستنكرا ما يقوله بشدة.
- دعكم من كل هذه المهاترة، فكل منا الأن يجب أن ينقذ نفسه من الاتهام الموجه إليه.. كل منا يجب أن يبحث عن دليل لبراءته.. أتدرون مدى الصعوبة التي آل إليها وضعنا.
وجهت دليلة كلامها للجميع مدافعة عن نفسها ومحاولة القاء التهمة على الكل.. نظر لها شاكر حينئذ وأردف:
- تحدثي عن نفسك يا دليلة ولا تشركينا معك في الاتهامات.. فأنا اتهامي باطلا تماما وقد أقنعت الضابط بذلك.
- حقا! هل أقنعته أيضا بأنك لم تتواجد في غرفة إيهاب بك قبل الحادث بقليل؟ وهل اقتنع بذلك الكلام الكاذب؟
ضحكت دليلة في سخرية وهي تواجه شاكر لأول مرة بأنها قد رأته مغادرا غرفة إيهاب علوان قبل ارتكاب الجريمة بوقت غير طويل.
- ومن أنت حتى تقولي عني هذا الهراء يا دليلة.. هذا كلام كذب.
- لا تنسى أن غرفتي في نفس الطابق يا عزيزي وقد رأيتك خارجا من غرفة إيهاب مكفهرا منفعلا يوم الحادث.. وعلى العموم إذا كنت كاذبة فان كاميرات المراقبة لن تكذب أبدا.
صرخ شاكر في وجه الجميع موجه كلامه إلى دليلة قائلا:
- كاذبة.. أنت مجرد انسانة حقيرة وكاذبة.
تدخل أحمد في الحوار محاولا التحكم في الوضع الذي بدأ يخرج عن السيطرة قائلا:
- نحن لسنا موجودين هنا لتوجيه الاتهام إلى بعضنا البعض.. قد يكون الفاعل شخصا غريبا عنا جميعا.. رجاء أن تهدئوا قليلا.
كانت رقية صامتة طوال الوقت وهي تستمع إلى الجميع.. بدت عيناها زائغتان ثم قالت فجأة:
- أنا لابد لي من العودة إلى القاهرة في أقرب وقت لأن ابنتي وحدها هناك.. لقد وعدتها أني لن أغيب عنها.
- اصمتي أنت الأخرى وكفاك وهما.. فكلنا نعلم أن ابنتك قد...
صرخ أحمد في وجه دليلة "كفى" عند توجيهها هذه العبارة إلى رقية والتي بدأت في الارتعاش بشدة وأصبحت نظرات عينيها في غاية الخوف وتلفتت إلى دليلة لتبادرها بصوت مرتعش:
- ماذا تعلمين عن ابنتي؟ أخبريني ماذا تعلمين عنها..
صمت الجميع وأطالوا الصمت حتى قطعه عم جمال قائلا:
- لن يرتاح أيا منا أبدا.. فلكنا نشك في بعضنا البعض.. تلك هي نتيجة أفعالك يا إيهاب يا علوان.. أتمنى أن تكون مسرورا الآن.
***
.jpg)