( 8 )
- هل يمكن أن تخفضي من صوتك قليلا حتى تسمعيني؟ لا أستطيع التحدث اليك وأنت بهذه الحالة من الغضب.. اصمتي قليلا
هكذا كان إيهاب علوان يتشاجر مع زوجته عبر الهاتف وذلك في ركن خارج المطعم معتقدا أن لا أحد يستمع إليه.
- إذا استمريت في الصياح سأضطر أن أغلق الخط في وجهك.. أنت لا تفعلين سوى اختلاق النكد والمشاكل.
ظل إيهاب يصيح فيمن تحدثه على الهاتف، وظل الأخرون يستمعون إلى الحوار الذي كان من طرف إيهاب علوان فقط، ويحاولون تخيل ما تقوله له زوجته – على حسب افتراضهم - على الطرف الأخر من الهاتف.
بدت نظرات الاثارة على وجوه معظمهم أثناء استماعهم لتلك المشادة الزوجية بين إيهاب علوان وحنان.. ظلت رقية تسترق السمع وهي تتظاهر بالانشغال بتناولها الطعام بينما كانت أذنيها تتابعه وهو يتشاجر ويعلو صوته شيئا فشيئا حيث كان واضحا أن الطرف الأخر قد أثار حفيظته كثيرا بكلام لا يجب أن يقال.
تبادل شاكر وأحمد النظرات فيما بينهم في حين قال شاكر:
- يبدو أن الموضوع ساخن للغاية يا جماعة.. ربنا يخلص حقوق الناس بعضهم من بعض.
ضحك أحمد على ما قاله شاكر ونظر في طبق الطعام الذي أمامه ثم همس قائلا:
- دع الخلق للخالق يا أستاذنا.. وتناول افطارك أحسن.
استمر إيهاب علوان في الشجار وقت أن جاءت دليلة من حجرتها وانضمت لطاولة الطعام التي يجلس عليها الجميع وطلبت كوبا من الكابوتشينو الساخن.. وما أن رأت نظرات الوجوم على الأخرين حتى سألتهم ما لهم فلم ينطق أحد بل استمروا في استراق السمع للشجار الدائر خارج صالة المطعم، وانتبهت دليلة بدورها لصوت إيهاب علوان المرتفع وأخذت تسترق السمع مع الموجودين.
- تأتي إلى أين؟ أجننت أنت؟ هذه رحلة عمل وليس رحلة ترفيه.. أنا مضطر الأن لإغلاق الخط يا حنان فالموضوع قد زاد عن حده كثيرا.
غادر إيهاب المكان وذهب إلى شاطئ البحر حيث كان في حالة من العصبية الشديدة وكان يريد تهدئة نفسه قليلا.
أخذ إيهاب يجوب الشاطئ ذهابا وإيابا وهو يفكر في حنان وما آل إليه طبعها واستحالة العشرة معها على هذا الحال.
وعلى الجانب الأخر، أغلقت حنان الهاتف وأسهمت في صورة زفافها التي تتوسط حائط صالة المنزل وأخذت تتذكر الفترة العصيبة التي مرت بها منذ بداية زواجها بإيهاب علوان ومنذ أن أدركت مدى صعوبة طبعه.
كانت مدركة لتلك الصعوبة في الطباع منذ بداية فترة الخطوبة، ولكنها كانت كثيرا ما تكذب على نفسها.. طباع ايهاب كذلك بادية للجميع وعلى الأخص والدتها والتي كثيرا ما حذرتها من هذا الارتباط ومن المشاكل التي يمكن ان تواجهها حال زواجها منه.
تذكرت حنان العديد من المواقف التي مرت بها والتي غيرت كثيرا في شخصيتها.. فلم يكن إيهاب يتحكم أبدا في أعصابه وهو شابا مقبل على زواج حين كان عليه أن يظهر بمظهر محترم ولائق أمام أهل زوجته.
كانت كثيرا ما تصدر عنه تصرفات تنم عن قلة الزوق الشديدة أو العصبية الغير محتملة.. ففي يوم شراء فستان الزفاف تذكرت حنان حين كانت والدة إيهاب مع والدتها يستقلان السيارة حتى ينتقيا الفستان من محل في وسط البلد، حينها قام إيهاب بالتشاجر في الشارع مع سائق أتوبيس نقل عام عند تخطيه اياه في السير، ونزل من السيارة على مرأى من أمه وحنان ووالدتها وجذب السائق من ملابسه عبر شباك الأتوبيس حيث كاد أن يوقعه على الأرض فقط لأنه تخطاه في السير.
وفي يوم أخر، كان إيهاب مدعوا على حفل عيد ميلاد أحد أقارب حنان وكان أهلها من ضمن الحضور.. ويومها ظل إيهاب طوال الجلسة صامتا على وجهه علامات الغضب بدون سبب يذكر ولم يكن يرد على حديث أهل حنان وكان يتعامل معهم باستهانة شديدة حتى أن والد حنان قرر عدم التحدث معه.. كان ذلك الوضع غاية في الحرج لحنان التي لم تدر ماذا تفعل سوى أن تأخذه على جنب وتسأله ماذا به.. وكانت دائما اجابته لها: ماذا بي؟ خير؟
كانت تنتابه تلك النوبات من الغضب الغير مبرر والتي لم تكن تفلح معها أي وسيلة في التعامل.. فمثلا لم يكن يستجيب للاهتمام كما أنه لم يتراجع أيضا عن تلك الطريقة حتى بالإهمال.
كان لا يعي تصرفاته الغير منطقية ولا يدرك أنه يضع نفسه ويضع حنان في مواقف سخيفة تثير أقوال الأخرين ممن يجدوه على تلك الحالة من الانفعال والغضب وبالذات المعارف والأصدقاء الذين يقابلونه مرات قليلة على مدار العام.
كانت تلك التصرفات موجعة لحنان التي لم تجد وسيلة تشعره بها أنه يهينها بمثل تلك الأفعال وأنه أنه أيضا يهين أهلها بها.
ما أكثر الأيام التي ذهبت فيها حنان إلى منزلها باكية بعد لقائها به.. لم يكن كذلك يعير لبكائها اعتبارا وكل ما كان يفعله هو أن يفتح علبة سجائره ويدخن في هدوء وقت أن تكون حنان منفجرة في البكاء.
أنكرت حنان كل تلك التصرفات وأكملت في إجراءات الزواج كالسائر خلال نومه.. كانت صغيرة، ولم يكن لديها الوعي الكافي لأن تشعر أن تلك الطباع لا تعاشر وأنها سوف تعاني أشد المعاناة مع شخصية شديدة العصبية، تتصف بعدم التفاهم المطلق مثل إيهاب.
لم تستمع إلى نصائح والدتها التي كانت تحثها على انهاء الخطوبة وعلى أن هذا الشخص بحاجة إلى تأهيل نفسي ولا يصلح للزواج.. عاندت الجميع وأولهم نفسها وأصرت على استكمال زواجها من إيهاب علوان بكل ما ظهر لها من صفاته البشعة.
وأثناء الزواج تبين لحنان المزيد من بشاعة الصفات حيث كان إيهاب يكذب كثيرا وفي أمور تافهة.. كان لا يطيق أن يوجه له أحد أية نصيحة ولا أن يقيم أي حوار مع أي شخص وبالذات معها هي شخصيا.
أثرت تربية إيهاب علوان الصارمة عليه تأثيرا هائلا.. فخصام والده له بالشهور ومقاطعته له على أسباب واهية كان قد أصبح أمرا عاديا بالنسبة له.. نشأ على عدم الحوار والمقاطعة بين أفراد الأسرة مع بعضهم البعض.. نشأ ايضا أيضا على خصلة التربص في الكلام وتصيد الأخطاء الغير المقصودة وكذلك التهرب الدائم من جلسات العائلة.. كل ذلك أصبح أمرا أصيلا في طباعه نظرا لتربيته الخاطئة والتي اشتملت على كل هذه الأمور الكريهة.
كان لدى حنان أمل في تغيير طباع إيهاب وفى العمل على تقويم سلوكه وذلك عن طريق النصح المباشر وأحيانا الخصام الذي كان يطول لدرجة أنها كل مرة كانت تبدأ بالصلح معه، وأيضا عن الطريق الكلام الغير مباشر والذي لم يكن يعير له انتباها.
كثيرا ما كانت حنان تعطي له أمثلة بأصدقاء لها وبتعامل أزواجهم معهم وببعض الأقارب الشباب أيضا من طرف عائلته أو عائلتها.. كثيرا ما كانت تتحسر على نفسها وعلى تلك المعاملة السيئة التي كانت تلقاها من إيهاب وتشعر انها لا تستحق ذلك أبدا.. أما إيهاب فكان لا يستمع إليه أبدا وإذا استمع لها في مرات قليلة كان كل ما يقوله لها "لا تقارنيني بأحد فأنا فوق مستوى المقارنات".
لم يعترف أبدا بأخطائه ولا بطباعه السيئة.. كان دائما يرى أن الأخرين هم المخطئين وأنهم متحاملون عليه ويريدون تعكير صفو مزاجه.. وظلت تلك الطباع السيئة تلازمه حتى بعد أن أنجب طفلين.. اتبع معهما أسلوب التعنيف المباشر والخصام الطويل وقت أن كانوا لايزالون أطفالا دون الخامسة.. كان من يفعل فيهم خطأ ما أو تصرف لا يعجبه، يبدأ في فترة الخصام التي لا تنتهي والتي لا تفلح أبدا معها كل محاولات حنان في التدخل للإصلاح بينه وبين الطفل الصغير الذي لم يكن يعنى من تصرفاته البريئة شيئا.
وبعد أن كبر الصغيران وأصبحا في سن المراهقة، بدأوا يكرهوا أبيهم ولا يحتملون وجودهم معه في مكان واحد.. كان كل فرد من أفراد العائلة يجلس بمفرده في غرفة من غرف الشقة الواسعة التي نقل فيها إيهاب علوان بعد أن تيسرت أموره المادية شيئا فشيئا.
أصبحت طريقة إيهاب ليست منفرة فقط لحنان ولكن أيضا لأولاده اللذان لم يكونا يرغبا في الحوار ولا التعامل سوى مع أمهم وذلك على الرغم من المحاولات المضنية التي حاولتها حنان للإصلاح بين إيهاب وبين أولاده على مدار سنوات متعددة.
احتملت حنان كل تلك الطباع السيئة كما احتملت سوء العلاقة الدائم بين إيهاب وأطفاله.. ولكن ما لم تستطع حقا احتماله كانت نزوات إيهاب علوان العاطفية المتكررة.. كانت هذه النزوات هي القشة التي قسمت ظهر علاقتهما.. فعند أول مرة ضبطت حنان المحادثات الهاتفية بين إيهاب وبين احدى زميلاته والتي كان في مجملها كلام حنون وأسلوب رقيق للغاية لا يتعامل به معها، أقامت حنان الدنيا ولم تقعدها.. واجهته بتلك المحادثات واتهمها بأنها تتجسس عليه.. ثار ثورة عارمة وأنكر كل ما قالته حنان زاعما أنها قد فهمت المحادثة بطريقة خاطئة وبأنه لم يكن أبدا يقصد أي شيء.
وفي يوما من الأيام، شعرت حنان بالمهانة والجرح العميق حين تناهى إلى سمعها مكالمة هاتفية يقوم بها إيهاب علوان في منتصف الليل هامسا.. لم تستطع أيضا التحكم في أعصابها وأخذت في الشجار معه حتى تعرف مع من يتحدث في مثل هذا الوقت من الليل وطبعا كانت الردود التي تلقتها منه كلها كذب في كذب.
لم تحتمل حنان تلك المعيشة سوى من أجل الولدين ومن أجل ألا تأخذ لقب مطلقة أبدا.. كانت تريد أن تثبت للجميع وأولهم والدتها أنها على خطأ وأن اختيارها لإيهاب سليم وأنها تحيا حياة زوجية لا بأس بها.
ظلت تحتمل كل نزواته وتصرفاته الصبيانية حتى جاء يوم أخبرتها صديقتها أنها شاهدت إيهاب بصحبة امرأة في مطعم صغير في المهندسين يتناولان طعام الغذاء سويا.. حينها لم تستطع حنان كبح جماح أعصابها وأخذت الولدين وذهبت إلى منزل أهلها وطلبت من أبيها التدخل كي يتحدث إلى إيهاب ويحاول أن يثنيه عن تصرفاته الفجة التي أصبحت على لسان الكثيرين وأولهم صديقتها.
لم تفلح كلمات الاب في أن يصلح الوضع بينهما وكل ما فعله إيهاب وقتها هو ان اعتذر بمنتهى البرود ثم ذهبت معه حنان والطفلان إلى بيتهم، تصحبها نظرات الاشفاق والحسرة من أمها وأبيها.
كثرت النزوات مع تقدم إيهاب علوان في العمر وبعد أن ازداد دخله وارتفع شأنه وأصبح مديرا بنكيا كبيرا.. كثيرا من الفتيات والسيدات كن يجدن فيه مطمعا ويحاولن التقرب منه حتى مع معرفتهم أنه متزوج ولديه أسرة.. ولم يكن أبدا يصد من تتقرب إليه.. بل العكس تماما، فكل الأسلوب السليط الذي كان يتعامل به مع حنان كان يتعامل بعكسه تماما مع أي امرأة تتقرب إليه أو تريد منه خدمة ما.
ذبلت حنان وأصابها الاكتئاب وهي في عمر صغير.. لم تجد بدا سوى اللجوء إلى الأطباء النفسيين كي يساعدوها في التغلب على هذه الحياة القاسية.. أخذت الكثير من المهدئات حتى تستطيع التعامل مع شخصية نرجسية مثل إيهاب علوان.. فهو لم يكن يراها على مستوى نظره.. ولم تكن موجودة في أفقه أبدا.. فعمله كان يستحوذ على كل انتباهه ومجهوده ويعود إلى المنزل أخر الليل وعلى وجهه تكشيرة كبيرة ويفتعل أي مشاجرة مع الولدين أو معها على أي سبب تافه ثم يتحجج بأنه لا يطيق هذا المنزل الكئيب ويخرج مرة أخرى ولا يرجع سوى بعد منتصف الليل.
هكذا كانت حياته التي لم تحتملها حنان ولم تجد لنفسها منها مخرجا أبدا.. أصبحت لا تحاول أن تمنطق تصرفاته التي أصبحت دون منطق.. كان كل همها هو ألا يخونها على الملأ حتى لا تتأثر سمعتها وسمعة أطفالها.. انزوت على نفسها وأصبحت قليلة الكلام.. قفلت باب منزلها على نفسها وعلى أحزانها وأصبحت شبح امرأة يعيش على المهدئات فاذا غابت عنها صارت مثل الأسد الجريح تزأر في وجه أي شخص أولهم إيهاب مما كان يزيد من دائرة المشاكل التي لا تنتهي.
***
سطعت شمس أخر يوم من أيام الريتريت كجمرة نار في السماء على الرغم من أن الوقت كان لايزال مبكرا على هذا الجو الحار.. الساعة لاتزال التاسعة وبعض المتواجدين بدأوا في تناول افطارهم في حين أن البعض الأخر لازال في الغرفة.
يعلم الجميع أن برنامج اليوم خفيفا حيث كان اليوم الأخير من أيام الأنشطة وكان على الجميع أن يغادر المكان في صباح اليوم التالي.
جلس أحمد مع شاكر يتناولان افطارهما في هدوء ثم قام أحمد بسؤاله عما إذا كان يرغب في تناول بعض القهوة الساخنة معه.. أومأ شاكر برأسه علامة على القبول، فذهب أحمد لإحضار كوبين من الكابتشينو وقام أستاذ شاكر بشكره على هذه اللفتة اللطيفة.
انضمت رقية إلى شاكر وأحمد في جلستهم بعد أن ألقت عليهم تحية الصباح ثم ذهبت لتحضر الخبز لإطعام الطيور قبل أن تتناول افطارها كما هي عادتها كل يوم منذ أن وصلت هنا.. كان ذلك هو الوقت الوحيد الذي ترتسم فيه البسمة على وجهها وهي ترى هذا العدد الهائل من العصافير وهو يتجمع على فتات الخبز التي تلقيها لهم بجوار الطاولة خارج صالة الطعام.
أما دليلة فاكتفت بكوب القهوة الساخن حيث بدت واجمة لأنها كانت قد قررت مع نفسها في اليوم السابق وبعد أن أهانها إيهاب في حجرته حين ذهبت إليه، ألا تتحدث معه مرة أخرى.. استجمعت دليلة كل شجاعتها وقررت أنها لا تستحق هذه المعاملة المهينة وأنها لن تسكت عليها ولن ترضى بها وأنها سوف تثأر لكرامتها الجريحة وتتعامل مع إيهاب علوان بما يستحقه هو وليس بما تستحقه هي.
فكرت أيضا دليلة في وسائل كثيرة للانتقام منه حين خذلها وتركها تواجه مصيرها وحيدة.. رغبت في الحاق الضرر به ولكنها لم تستقر بعد على أية وسيلة تستخدمها للامعان في ايذائه.
أيقنت بداخلها أنه لن يوف بوعوده التي وعدها إياها.. بل أنه سوف يعاملها معاملة أسوأ وذلك حين تواجهه وتذكره بما فعلته من أجله.
وبعد وقت قصير استأذن شاكر كي يذهب إلى حجرته لتبديل ملابسه في حين استمر أحمد ورقية على نفس جلستهم حتى انضم إليه م عم جمال آتيا بطبق فيه طعام الإفطار ومشاركا إياهم نفس طاولة الطعام.
قاربت الساعة العاشرة صباحا وأخذ باقي أفراد الريتريت يتناوبون على الدخول إلى المطعم الواحد تلو الأخر لتناول افطارهم او حتى تناول كوبا من القهوة، أما الذين أتوا مبكرا إلى صالة الطعام فقرروا أن يذهبوا إلى بهو الفندق للتجمع حسب تعليمات أفراد الشركة في اليوم السابق وذلك استعدادا للبدء في الأنشطة.
أتى شاكر مهرولا حتى يلحق بالجميع بعد أن قام بتبديل ملابسه إلى ملابس رياضية وارتدى الحذاء الرياضي ليناسب أنشطة اليوم والتي كان من المفترض أن تقام على شاطئ البحر.
انضم الأخرين إلى زملائهم في بهو الفندق وأخذ الجميع يتناولون الحديث مع بعضهم البعض ويتبادلون البسمات وهو ما أثار انتباه أفراد الشركة المنظمة للرحلة حيث لاحظوا اختلافا كبيرا في تصرفات الكثيرين مقارنة بأول يوم ريتريت عندما لم يكن أحدهم يرغب في محادثة الأخر ولا حتى التطلع في وجهه.
أعلنت عقارب الساعة عن مرور ساعة أخرى كاملة والكل جالسا في بهو الفندق بعد الانتهاء من طقوس الصباح.. كان الجميع متواجد فيما عدا إيهاب علوان والذي تأخر عن هذا التجمع ولم يظهر حتى في صالة الطعام.
بدأ أفراد الشركة في التساؤل عما إذا كان إيهاب علوان سيشاركهم أنشطة اليوم أم أنهم يقومون بها من دونه.. تدخل أحمد في حوار أفراد الشركة قائلا:
- أعتقد أنه يجب علينا انتظار إيهاب بك فقد كان مشاركا في جميع الأنشطة خلال الأيام السابقة ومن الممكن فقط أنه أطال في النوم ولذلك لم ينضم لنا حتى الآن.
قرر الجميع انتظار إيهاب علوان لمدة نصف ساعة ثانية حتى قاربت الساعة على انتصاف النهار ولازال إيهاب علوان مختفيا عن أنظار الجميع.
كانت دليلة متواجدة بين الحضور، جالسة على مقعد بهو الفندق الوثير، موجهة تركيزها إلى تصفح الفيس بوك في هاتفها المحمول.. لم تكن تشارك في الحوار إلا قليلا وذلك حتى ذهب إليه ا أحمد مرتجيا:
- هل من الممكن أن تقومي بمهاتفة إيهاب بك يا دليلة حتى نعلم لماذا تأخر كل هذا الوقت؟
- لا أرغب في عمل ذلك.
ردت عليه دليلة بحدة معلنة عن رفضها لهتاف المدير.
لم تكن دليلة ترغب في التحدث مع إيهاب علوان ولا في رؤيته.. بل أن سعادتها الداخلية كانت كبيرة عندما لم ينضم إلى الجميع ولم يظهر في صبيحة هذا اليوم.
رفضت دليلة رفضا قاطعا أن تهاتف إيهاب علوان ليعرف الجميع السبب وراء تأخره في الظهور.. أعلنتها صريحة في محاولة منها لفرض نوع جديد من احترام الجميع لها وذلك حين تضع بعض الضوابط والقيود في علاقتها مع المدير وتجعل هذه العلاقة مهنية فقط ليس إلا.
بدأ أفراد الشركة المسئولة عن الأنشطة في الهمهمة بينهم وبين بعض حيث رأوا أن النهار قد انتصف وأنهم قد لا يسعفهم باقي وقت اليوم على القيام بكل الأنشطة المتفق عليها.. كان لديهم جدول اعمال صارم يجب أن يتبعوه بدقة حتى يكللوا مهمتهم بالنجاح ويحصلون من المسئولين عن التقييم في البنك على درجات عليا تؤهلهم للعمل مع بنوك وشركات أخرى.
ومع زيادة الضوضاء في بهو الفندق قرر أحمد أن يقوم بنفسه بهتاف إيهاب علوان على تليفون حجرته.. ذهب إلى مكان الاستقبال وطلب من الموظف المسئول أن يتصل على السيد إيهاب علوان حيث لم يكن يعرف رقما لغرفته.
قام الموظف بهتاف المدير وظل الهاتف يرن على الناحية المقابلة ولكن دون تلقي أي رد.
***
ذهب الجميع إلى حيث من المفترض أن يقوموا بالأنشطة المطلوبة لذلك اليوم.. كانت الأنشطة كلها تقام في الهواء الطلق على الشاطئ.. قرروا ألا ينتظروا إيهاب علوان وأن يتركوه في حاله.. قد يكون نائما أو لا يريد لأحد أن يزعجه.. بالأخير هو المدير ولا يمكن لأحد أن يلومه إذا تخلف عن القيام بنشاط ما.
كان عمل اليوم هو عبارة عن صناعة مراكب خشبية حقيقية بأدوات وعدة تركيب توزع على الحاضرين حيث ينقسم الجميع إلى فريقين ويتسابقون فيما بينهم على صناعة المركب حسب التعليمات المرفقة، ثم يركب هذا المركب أخف الموظفين حجما ويقوم بالتجديف به في البحيرة الموجودة في الفندق من ضفة إلى الضفة المقابلة.. والفائز هو الذي سيكون أسرع من الأخر.
بدأ الجميع في الانهماك في العمل واتباع تعليمات ربط الأخشاب ببعضها البعض وكذلك القيام ببعض المسابقات الصغيرة التي تجعلهم يقايضون الطرف الأخر على أدوات بناء كمسامير أو مفكات أو غيرها.
كان الموضوع مرهقا قليلا حيث أن الجو كان حارا في ذلك اليوم وكانت الشمس ذات أشعة حارقة مما أدى البعض إلى صب المياه على رؤوسهم حتى يقللوا من حرارة الجو على أجسامهم.
أخذ الجميع في الانشغال حتى أنهم تناسوا عدم وجود إيهاب علوان بينهما وأصبحوا على سجيتهم ومرتاحين أكثر وهم يعملون بمفردهم دون تعليقات هدامة او انتقادات منه كما هي العادة دائما.
وبعد الكثير من العمل والمقايضة التي تلت المسابقات الصغيرة التي نظمها أفراد الشركة المسئولة علن الريتريت، قام الفريقان في النهاية بتركيب أجزاء المركب الخشبية وتربيط أجزاءها ببعض استعدادا لعبور الضفة الأخرى من البحيرة في سلام.
كان أكثر الموجودين نحافة بين أعضاء الفريقين هم دليلة وأحمد.. قامت دليلة بركوب احدى المراكب في حين ان أحمد ركب الأخرى ثم قاما بالتجديف بكل قوتهم حتى يعبروا الضفة الأخرى من البحيرة وسط تصفيق وتهليل جميع الموجودين كل إلى فريقه.
- هيا يا دليلة.. أسرعي قليلا.. جدفي بسرعة
قالها شاكر الليثي بانفعال وهو يحث دليلة على التجديف أسرع حتى تكسب أحمد.. أما أحمد فبدوره كان يعمل أقصى ما باستطاعته حتى يجدف سريعا ويحاول أن يصل بمركبه قبل دليلة.
وبعد مرور بضعة دقائق من الحماس المشتعل والتصفيق والهتاف المستمر، كسبت دليلة السباق وقام فريقها بالتهليل فرحا لهذا المكسب وكسب الجميع نموذجا مصغرا لمركب حقيقي تفاصيله بديعة وأخذ الجميع يطلقون التعليقات المضحكة والنكات على فوز دليلة على أحمد.
أخذ فريق أحمد تلك التعليقات بمنتهى رحابة الصدر بل أن أعضاء الفريق كانوا أيضا يشتركون مع الأخرين في السخرية على أنفسهم وفي المباركة لدليلة وفريقها الذي كسبوا السباق.
مر النصف الأول من اليوم سريعا وجاء وقت العشاء.. وبعد أن ذهب الجميع إلى الغرف حتى يحتمون قليلا من الجو ومن أشعة الشمس الحارقة بعد القيام بالسباق، وبعد أن ارتاح البعض وقام البعض الأخر بعمل بعض المكالمات الهاتفية، تجمعوا مرة أخرى في صالة الطعام حين أشارت دقات الساعة إلى السابعة مساءا.
كالعادة كان عم جمال أول الحاضرين وتلاه الجميع كل في وقته.. وبعد أن بدأ الكل في تناول طعام العشاء وسط التعليقات الضاحكة مرة ثانية على أحمد حين لم يستطيع منافسة دليلة، وعلى المركب التي حصل بها ثقب أدى إلى دخول المياه بها، لاحظ الجميع عدم ظهور إيهاب علوان ولم يعرفوا هل أنه سبقهم وتناول عشاءه أم أنه سيلحق بهم ولا يود أن يجلس معهم على نفس طاولة الطعام.
وأيا كانت الأسباب التي دعت إيهاب علوان إلى الغياب عنهم يوما كاملا فهي أسباب تستحق الشكر والتقدير.. كان الجميع أهدأ بالا وأسعد حالا في تواجدهم مع بعضهم البعض دون إيهاب علوان وطريقته البشعة معهم.. حتى دليلة كانت أكثر اشراقا وأكثر ودا وهي تتحدث مع الكل وتضحك معهم وتشاركهم ما يفعلون.
لم يفكر أحد من الموجودين أن يتصل مرة أخرى بالمدير كي يعرف سبب غيابه عنهم أو حتى أن يبدي اهتماما بعدم تواجده.
كان هذا اليوم أخر يوم في القيام بالأنشطة الجماعية ومع تواجد أفراد الشركة المنظمة أيضا على العشاء تم التعارف بينهم وبين الموجودين أكثر فأكثر.. أبدى أحمد سعادته من تنظيمهم للأيام التي تم قضائها ولكل الأنشطة التي نظمت من أجل الريتريت.
انتهى اليوم بسلام وغادر الجميع صالة الطعام حيث ذهب البعض إلى حجرته أما البعض الأخر فقام بالتمشي الليلية على شاطئ البحر استعداد للمغادرة صباحا.
قررت دليلة أن تتجه إلى غرفتها لأخذ قسطا من النوم بعد تعرضها للشمس معظم ساعات النهار، وصلت الدور الرابع من الفندق مستقلة المصعد الشفاف، وعند مرورها بالردهة لتصل إلى غرفتها، لمحت غرفة إيهاب علوان حيث كان موضوع على الباب لافتة "رجاء عدم الازعاج"
استمرت دليلة في طريقها متجاهلة الغرفة وصاحب الغرفة ودخلت إلى حجرتها مسرعة.
***
وصل مرزوق سائق إيهاب علوان في الساعة التاسعة صباحا استعدادا لأن يتجه به إلى القاهرة في حين أن باقي الأفراد سوف يستقلون الأتوبيس مثلما أتوا به من القاهرة إلى الغردقة.
اليوم هو أخر أيام الريتريت وسوف يغادر الجميع إلى القاهرة بعد تناولهم وجبة الإفطار.. كانت أول من حضرت إلى صالة الطعام رقية التي أخذت في تجهيز حقيبتها فور استيقاظها من النوم فكانت مستعدة للمغادرة في الوقت المحدد.
توافد باقي الحضور لتناول افطارهم وكان الجو العام السائد بين الجميع هو نوعا من المودة لم يكن موجودا في أول يوم حين أتوا إلى هذا الفندق ولم يكن لدى أحدهم الرغبة في محادثة الأخر.. أما اليوم فالأمر اختلف كثيرا وأصبح هناك نوعا من أنواع الحوار الودي بينهم وبين بعضهم البعض.
أخذت رقية تطعم العصافير وعلى وجهها ابتسامة لم يعهدها الأخرون منها في الأيام الأولى للريتريت.. أما شاكر الليثي فكان يتناول أطراف الحديث مع زملائه ولم يعد يفتعل الصمت ويضع السماعات في أذنيه حتى يتجنب الحوار.
عم جمال كان يتوق شوقا للرجوع إلى بيته وأسرته ولكنه شعر أن هذه الأيام كانت بمثابة تغيير وأنه كان يحتاج هذا التغيير الذي أفاد صحته كثيرا.
حتى دليلة كانت قد بدأت في الاندماج في الحوار مع الفتيات الصغيرات اللاتي كن تحت التدريب وأخذت تجلس معهم وتتبادل الضحكات.
أحمد أيضا كان سعيدا عندما لاحظ هذا التغيير الإيجابي على جميع الموجودين وكانت تلازمه ابتسامة رضا وسعادة عن دوره كمسئول عن تنظيم هذا الحدث.
كانت الأجواء هادئة وطيبة والكل أصبح مستعدا للمغادرة إلى القاهرة.
وفي أثناء تناول الطعام وعند اقتراب الساعة من الحادية عشر وقت أن كان المطعم على وشك الاغلاق بعد أن انتهى الميعاد المحدد للإفطار، لاحظ الجميع أن إيهاب علوان لم يظهر لليوم الثاني على التوالي.. أثار عدم ظهوره تعجب معظم الموجودين وقلق أحمد الذي شعر أنه من غير الطبيعي أن يتغيب عن تناول الإفطار ليومين متتاليين.
كان أحمد يعلم أن إيهاب علوان يهوى السباحة فجرا.. فهو قد قابله من قبل على الشاطئ.. وقد يكون أتى وتناول افطاره مبكرا كالعادة قبل حضور الجميع ثم اتجه إلى غرفته كي يجهز حقيبته.
كان هذا هو ما يحدث به أحمد نفسه والأخرين في محاولة منه لتبرير غياب المدير لليوم الثاني على التوالي.. وقد يكون من الجائز أيضا أن يكون إيهاب علوان قد قرر أن ينفرد بنفسه في الأيام الأخيرة للرحلة وأن يقرر عدم رغبته في الاختلاط بالجميع.. فلا يوجد أصلا شيئا مستبعدا مع شخصية مثل شخصية إيهاب علوان.
بدأ مرزوق سائق إيهاب علوان يقلق من غيابه ومن تأخره عن الموعد المتفق عليه لمغادرة الفندق اتجاها إلى الغردقة.
- يا أستاذ أحمد، هل من الممكن أن تتصل بغرفة إيهاب بك لنعرف سبب عدم مجيئه حتى الآن.. عادة هو ملتزم جدا بمواعيده وقد أكد علي فور وصولنا إلى هنا منذ عدة أيام على موعد العودة وطلب مني عدم التأخر عليه.
- أنت على حق يا مرزوق سوف أطلبه على هاتفه المحمول وأرى سبب هذا الاختفاء المفاجئ.
ومع تكرار رنات الهاتف المحمول وعدم رد الطرف الأخر على المكالمة، قلق أحمد أكثر وأخذ يتمتم قائلا:
- ترى أين ذهب ولماذا لا يرد على المحمول؟ تعالى معي يا مرزوق نسأل على رقم غرفته حتى نعرف ما الحكاية.
ذهب مرزوق بصحبة أحمد لاستقبال الفندق، سألا على رقم غرفة إيهاب علوان واستقلا المصعد حتى الدور الرابع.. وعندما توجها ناحية الغرفة كانت لافتة "رجاء عدم الارعاج" لاتزال موضوعة على باب الغرفة من الخارج.
وعلى الرغم من وجود اللافتة ومن تيقن أحمد أن إيهاب علوان قد يثور عليه هو ومرزوق السائق ويسمعهما كلاما سخيفا إذا اقتحما عليه غرفته رغما عن ارادته ورغما من وضعه اللافتة على الباب، قرر أحمد أن يقوم بطرق باب الحجرة ولا يشغل باله لما قد يقوله له المدير حال ازعاجه بفعلته تلك.
قام أحمد بطرق باب الحجرة عدة طرقات صغيرة متتالية ولم يتلقى ردا.. انتظر عدة ثوان ثم طرق الباب مرة أخرى أيضا دون استجابة.
- هيا بنا يا مرزوق، من الواضح ان إيهاب بك ليس في حجرته.
وعندما هم أحمد ومرزوق بالمغادرة، استوقفه مرزوق فجأة واستطرق بسمعه على باب الغرفة حيث هيء له أنه سمع صوتا خافتا يأتي من الداخل.
- انتظر قليلا يا أستاذ أحمد.. أنا أسمع صوتا يأتي من داخل الحجرة.. استمع معي لحظة.
قام أحمد بوضع أذنيه على باب الغرفة وحاول الاستماع إلى الصوت الذي يقصده مرزوق وذلك حين تنامى إلى مسمعه صوت أنين خافت للغاية يأتي من الداخل.
استبد القلق بأحمد وبمرزوق وقررا أن يطلبا من أحد موظفي خدمة الغرف أن يفتح لهما باب الحجرة.. تصادف ذلك مع مرور أحد العاملين المسئولين عن النظافة، ومع استغراب العامل من رؤية أحمد ومرزوق وهما يسترقان السمع وراء باب غرفة إيهاب علوان، قام أحمد بتبرير موقفهما هذا وشرحه للعامل، كما طلب منه أن يقوم بفتح الغرفة له بالمفتاح الرئيسي الذي يحتفظ به من أجل تنظيف الغرف.
لم يوافق العامل على هذا الفعل إلا بحضور مدير خدمة الغرف معه.. وبالفعل قام بالاتصال به وأتى في الحال وبعد أن شرح له أحمد الموقف مرة أخرى وافق على فتح باب الغرفة بمفتاح العامل الرئيسي.
توقفت أنفاس الجميع لعدة لحظات لحين قيام عامل النظافة بفتح الباب، كان أول من دخل الحجرة هو أحمد تبعه مرزوق ثم مدير خدمة العاملين بالفندق.. للوهلة الأولى كانت الغرفة خاوية والفراش أيضا.. ولكن تنامى إلى أذنهم مرة أخرى صوت الأنين الضعيف.. دخل أحمد الغرفة حتى وصل إلى أخرها، ولدهشته الشديدة، وجد إيهاب علوان ملقى على الأرض بين باب الشرفة وبين الفراش، ممسكا بيده اليسرى بكتفه الأيمن الذي ينزف بغزارة، مصدرا أنينا ضعيفا من شدة الألم، وجهه كالحا بلون الحائط الأبيض، ودمه سائحا على أرض الغرفة.
***
جاءت سيارة الإسعاف بعد دقائق من الاتصال بها.. كما جاءت الشرطة أيضا.
لم يترك أحمد ومرزوق إيهاب علوان حتى اطمأنا انه قد ذهب مع الإسعاف.. كتفه لا يزال ينزف ولم يكن في كامل وعيه.. كان يئن من الألم ويده مطبقة على جرحه الذي كان واضح أنه كان جرحا حديثا.
فزع أحمد حين وجده مسجيا على الأرض.. أمسك به وحاول إيقاف النزيف بمنشفة كانت موضوعة على المقعد بجوار الفراش.. تلونت المنشفة باللون الأحمر القاني كما امتلأت ملابس أحمد بدورها بدم إيهاب علوان.. ولكن أحمد لم يبال.. كان كل ما يسعى إليه هو محاولة إيقاف النزيف حتى تصل الإسعاف وتقوم باللازم.
طلب أحمد من مرزوق أن يجهز حقيبة صغيرة لإيهاب علوان بها بعض معلقاته الشخصية التي قد يحتاجها في المستشفى في نفس الوقت الذي اتصل به مدير خدمة الغرف بالإسعاف والشرطة.
كان إيهاب علوان يئن مثل الأسد الجريح.. نظرات عينيه تتشبث بأحمد كأنه يقول له لا تتركني وابق إلى جواري.. كان أضعف من أن ينطق وكانت عيناه تتحدثان عما يريد قوله.. شعر فيهما أحمد بخوف ايهاب الشديد وبالانكسار والترجي.
كم هو ضعيف ذلك الانسان.. كل جبروت إيهاب علوان وسطوته تلاشت أمام سيل الدماء الذي ينزف منه.. تعلقت حياته بأمل أن ينقذه أحدهم.. فجأة لم يعد هو المسيطر على الوضع ولا الآمر الناهي في ملكوت حياته.. كان أضعف من أن يئن أو أن تنبس شفتاه الكالحتين بكلمة واحدة.. هي فقط نظرات عينيه التي كانت تعبر عما يريد أن يقوله.. نظرات منكسرة مرتعشة.
انتفاضة شديدة انتابت جسده كله وهو بين يدي أحمد الذي كان لايزال يحاول أن يوقف النزيف.. سكن جسد إيهاب علوان فجأة وأغمض عينيه وراح في إغماءه في الوقت الذي وصل فيه رجال الإسعاف وقاموا بحمله بسرعة شديدة وبمنتهى الحرفية للنقالة المتحركة الخاصة بالمرضى.
في نفس الوقت وصل ضابط المباحث إلى الغرفة ممسكا بالراديو اللاسلكي في يديه، يتحدث فيه لشخص ما قد يكون مديره في العمل ويقوم بالتأكيد على وصوله إلى موقع الحادث.. كان بصحبة الضابط عسكري ومدير أمن الفندق.
وعندما أراد الضابط المعاينة وأخذ أقوال الحاضرين، حاول البدء بإيهاب والذي كان ذهب في إغماءاته فلم يستطع سؤاله شيئا.. رجا أحمد الضابط أن يترك الإسعاف تقوم بنقل إيهاب علوان حتى يتم إنقاذه.. وبالفعل تحرك رجال الإسعاف حاملين النقالة متجهين إلى المصعد.. تصادف ذلك مع مرور اثنين من السياح الأجانب الذين شهقوا عندما شاهدوا هذا المشهد وانتابتهم حالة من الذعر الشديدة وهم يرون إيهاب مسجيا على النقالة واللون الأحمر يطغى على الملاءة التي وضعها أحمد عليه وهو في طريقه إلى سيارة الإسعاف التي تنتظر أمام البوابة الرئيسية للفندق.
مر كل شيء في عجالة.. لم يكن يريد مدير أمن الفندق أن يلحظ الزائرين ما يحدث لذا حث أفراد الإسعاف على التحرك بسرعة وهذا بالفعل ما كانوا يفعلونه دون الحاجة إلى النصيحة.. تم ادخال إيهاب في السيارة وتم البدئ في عمل الإسعافات اللازمة له في نفس الوقت الذي بدأت فيه السيارة بالتحرك غير مصدرة للنفير الشهير الخاص بسيارات الإسعاف بناء على طلب مدير الأمن حتى لا يحدث ذعرا في المكان وحتى لا ينتاب الهلع السائحين المقيمين بالفندق.
وفي نفس الوقت الذي تحركت فيه سيارة الإسعاف، ظل ضابط الشرطة في غرفة إيهاب علوان وطلب من أحمد ومرزوق ألا يغادرا الغرفة إلا بعد معاينتها والتفتيش الدقيق لكلا منهما.
رضخ أحمد والسائق إلى رغبة الضابط الذي طلب من العسكري المصاحب له تفتيشهما بالكامل ثم أخذ يعاين مكان إصابة إيهاب علوان وتحدث في اللاسلكي الذي يحمله معه طالبا من أحدهم أن يبعث إليه بخبير بصمات كي يقوم برفع البصمات الموجودة في الغرفة.
وبعد التفتيش الدقيق طلب ضابط المباحث من مدير أمن الفندق اغلاق الغرفة وعدم السماح لأي شخص بدخولها وذلك حتى يأتي خبير البصمات ويقوم بعمل اللازم.
أخذ الضابط يسأل أحمد عدة أسئلة خاصة بمعرفته بالشخص المصاب وما إذا كان قد شاهد أحدهم داخلا الغرفة قبل أن يفتحها بمعرفة الفندق.. شرح له أحمد أن إيهاب علوان مديره في البنك وأنه ليس بمفرده معه، بل أن هناك الكثير من الموظفين ينتظرون في بهو الفندق ولا يعرفون شيئا عن تلك الحادثة.. وهم الآن مجتمعون حيث كانوا على وشك المغادرة إلى القاهرة.
- لن يغادر أحد ولن يبرح الكل هذا المكان حتى نقوم بعمل اللازم.
قالها الضابط بنبرة حادة وهو يصدر أوامره إلى مدير أمن الفندق والذي على الفور قام بعمل اتصال هاتفي في المحمول الخاص به طالبا من موظفي الاستقبال ألا يسمحوا لأحد بمغادرة الفندق إلا بعد تلقي تعليمات منه بهذا الخصوص.
***
.jpg)