الفصل السادس من رواية ريتريت

                   (6)



تعودت رقية أن تستيقظ على صوت ضربات قلبها العالية كل صباح.. فكانت أول ما تفتح عيناها الناعستين تنتابها نوبة من نوبات الهلع التي لم تفلح الأدوية المتعددة في تهدئتها. 
ملامح رقية الهادئة لم تكن تبين المشاكل النفسية الكثيرة التي كانت تمر بها.. فمن يراها تخطفه نظراتها الهادئة وعيونها العسلية بشعرها البني الطويل المعقود دائما إلى الخلف.
تسمرت مكانها للحظات لتدرك أنها في الفندق وليست في منزلها ثم ارتدت ملابسها كي تلحق بموعد الإفطار استعدادا لبداية أول يوم من أيام الريتريت.
كان شعور الخوف يلازم رقية في كل خطوة من خطوات حياتها.. غول هائل ينهش في نفسيتها هي وأختها أميرة بناء على تربية منغلقة وتهديد بمخاوف ليس لها أساس من الصحة من أقرب المقربين إليه ما.
لم تدرك رقية أنها بحاجة إلى علاج نفسي على يد متخصص حتى تقوم بالتخلص من هذا الشبح الأسود الذي يرافقها كلما أرادت الاقدام على مرحلة جديدة أو اتخاذ قرار جديد في حياتها إلا متأخرا جدا.
يدمر الخوف النفسية ويجعل من الفرد كائنا هشا خاويا من الداخل، يتحكم في تصرفات الانسان ويوجه مشاعره دائما تجاه رفض كل ما هو جديد أو مختلف.. أما إذا كان الوضع برمته جديدا، حينها يشعر بالتوتر الشديد ويستمر في سؤال نفسه هذا السؤال الذي غالبا ما تكون اجابته حينها غير معلومة:
- هل قمت باتخاذ القرار الصائب أم أنني على خطأ.. هل التجربة تستحق هذا التغيير العنيف في نمط حياتي أم أنني واهم.
ويبقى السؤال وتبقى الإجابة في علم الغيب حتى تكشف عنها الأيام وتواجهنا بما نجهل من غيبيات، إذا خالفت توقعاتنا فإننا نندم ونلعن أنفسنا مائة مرة على قرار قمنا باتخاذه بدلا من وضع مستقر كنا معتادين عليه.!
هكذا كان وضع رقية بعد زواجها من عبد الله.. فبعد فترة قصيرة من تقدمه لها وذهابه إلى عمها كي يتفق معه على شروط الزواج وتفاصيله، وبعد أن قال صراحة أنه لا يملك نقودا تمكنه من شراء شقة أو حتى استئجارها، عارض العم كثيرا هذه الزيجة حيث لم يجد أن عبد الله هو الشخص الذي يمكنه أن يصون رقية. أحس أنه شخصا انتهازيا بخيلا، طامعا في أن يسكن مع رقية وأميرة في نفس منزل أبويهما، وغير مستعد لتقديم أية تنازلات بخصوص هذه الزيجة.
أما رقية، فكان موقفها مختلفا تماما، فقد قامت بمعارضة عمها معارضة شديدة وأبدت تمسكا كبيرا بالارتباط بعبد الله مهما كانت صفاته الواضحة لكل من حولها.
كان الخوف يحكمها ويسيطر على عقلها.. الخوف من ألا يعجب بها أي شخص أخر، الخوف من أن تقضي بقية عمرها وحيدة دون رجل، الخوف نتيجة قلة ثقتها بنفسها وشعورها أنها لن تجذب الانتباه في أيا من المجتمعات التي تتواجد فيها، الخوف من مرور العمر دون الانجاب.. وما إلى ذلك من مخاوف كثيرة تغلغلت داخل ثنايا عقلها وأدت بها الي معارضة عمها وأختها والإصرار الشديد على إتمام الزواج من عبد الله.
وفي الأشهر الأولى للزواج وبعد انتهاء ثلاثة أيام فقط هي مدة شهر العسل الذي قضاه العروسان في الإسكندرية على مضض وتحت الحاح من رقية، ظهرت المشكلات وبدأت كل عيوب شخصية عبد الله تطفو على السطح.
كان عصبيا للغاية، يثور لأتفه الأسباب.. كمان أنه لم يقدر حجم التضحية التي قدمتها أميرة لأختها وله بالسماح لهما أن يقيما في شقة الأسرة، بل أصبح يتحكم في كل صغيرة وكبيرة.
لم يظهر عبد الله اهتماما تجاه أى شخص أو أى شئ.. كان يتطاول على رقية ويعلو صوته عليها لأهون سبب.. تركها تدفع مصروف البيت بأكمله ولم يشارك فيه متحججا بأنه ليس معه سيولة حيث أنه كان يعمل في المبيعات.
ظلت رقية تحتمل تصرفاته معها وتحاول أن تصبر أختها على طريقته حتى فاض بأختها الكيل وقررت أن تعيش في بيت أهلها كالغرباء، لا تتحدث مع أحد وتأكل طعامها في غرفتها حتى لا ترى عبد الله ويحدث بينهما صدام ما أو يقوم بمحادثتها بطريقة غير لائقة وهو ما أرادت أن تتفاداه تماما.
ويوما بعد يوم فقدت رقية كل حيويتها نتيجة لتصرفات زوجها التي فاقت كل الحدود.. ولكن مع الخوف من تغيير الأوضاع لم تجرؤ رقية على طلب الطلاق أو حتى الشكوى لعمها.
كان الخوف يلازمها حتى أنها استسلمت تماما لتصرفات عبد الله وتحكمه فيها.. كانت كالفريسة السهلة لشخصية نرجسية من الطراز الأول.. لم يكن صعبا عليه أن يحكم سيطرته عليها وأن يخضعها ويذلها ثم يشعرها بأنها سوف تضيع من دونه وبأنه هو الوحيد الذي يخاف عليها وعلى مصلحتها.
كثيرا ما كان يستمتع بفترات بكائها الطويلة بسبب معاملته الجافة لها.. وكثيرا ما كان يترك لها البيت ليقابل أصدقائه وليشعرها أنها غير ذات أهمية في حياته وأنها لا تساوي لديه شيئا.
وفي وسط كل هذه الأحداث الدرامية، أفاقت رقية على أنها حامل في شهرها الثاني. 
لم يستطع هذا الحمل أن يغير من شخصية عبد الله ولا أن يلين من طباعه قليلا.. ولكنه ظل على عهده من القسوة والبخل الشديد سواء في المادة أم في المشاعر.
استسلمت رقية لأقدارها وكانت أختها هي سلوتها الوحيدة في ظل ظروفها الصعبة.. فكانت تشتكي لها أحوالها التي أساسا لم تخف عليها نظرا لإقامتهم في بيت واحد.. وكثيرا ما كانت الأختين تبكيان سويا بسبب تصرفات عبد الله وهما تشعران أنهما لا حول لهما ولا قوة وأن علي رقية الاحتمال حيث لم يكن الطلاق اختيارا من أساسه بالذات حين عرفت رقية أنها حامل في عدة أشهر.
لم يفرق حمل رقية مع عبد الله ولم يثنه عن تصرفاته البغيضة ومعاملته السيئة لها.. مرت شهور الحمل واحتملت رقية فوق طاقتها.. فبالإضافة إلى أن حملها لم يكن سهلا وتعبت فيه كثيرا، كان تعبها الأكبر من طباع عبد الله ويأسها من تغييرها
لم يظهر عبد الله يوم الولادة هروبا من المسئولية ومن دفع مصاريف المستشفى والطبيب.. كانت أميرة ورقية بمفردهما.
أنجبت رقية بنتا، ولكن كانت الصدمة كبيرة عندما وجدا المولودة هادئة جدا، لا تكاد تبكي مثل باقي المواليد، عيناها ضيقتان مطبقتان على بعضهما كأنهما خطا مستقيما.
لم يظهر الطبيب بعد الولادة للاطمئنان على المولودة مثل المعتاد.. وعند السؤال عليه، أخبرتهما الممرضة أنه في غرفة العمليات يقوم بمتابعة مواليد جدد حيث أن هذا اليوم مزدحم بشدة.
شعرت أميرة أن المولودة بها شيئا غير طبيعيا.. ولكنها كانت تنكر على نفسها هذا الشعور.. أما رقية فظلت تحتضن المولودة الجديدة وتحاول أن تلقمها ثديها.. وعندما ظهر الطبيب أخيرا، أخذته أميرة جانبا وسألته لماذا لا تبكي الطفلة مثل الباقيين.. أسهم الطبيب وأخبرها أن المولودة تعاني من متلازمة داون.. وأن عليهما ألا يجزعا حيث أن الطب قد تقدم كثيرا بهذا الخصوص.
- وهل لم يتم اكتشاف ذلك وقت الحمل يا دكتور؟ كيف؟

- لم يكن هناك مؤشرات تدل على ذلك، حتى التحليل الخاص بهذه المتلازمة كان سليما.. قالها الطبيب شاعرا بحجم المأساة ووقعها على أميرة.
ارتعدت أميرة وهي تحدث الطبيب وشعرت أن الأرض تكاد تأخذها الي هوة سحيقة وهي لا تعلم ماذا تقول لرقية التي سوف تستنكر تماما أن يكون بالمولودة عيبا.
دخلت أميرة الحجرة بعد مغادرة الطبيب وهي ترتجف من الصدمة، نظرت لها رقية نظرة طويلة ثم همست لها بصوت خفيض:
- أعلم يا أميرة.. أعلم أن ابنتي بها شيئا غير طبيعيا.. ولكنها ابنتي وستظل حب عمري مهما كان بها.
***
- ألم يأت بعد يا أميرة؟ ها قد انتصف الليل وهو لا يرد على مكالماتي ولا أعلم أين هو.
لم تعلم أميرة أي رد ترده على أختها.. فقد مر أكثر من أسبوع على ولادة غالية ولم يرها عبد الله سوى مرة واحدة وقت أن ذهب إلى المستشفى في اليوم التالي للولادة. 
لم يكن يرغب في رؤية الرضيعة ولا في سماع أي أخبار تخصها.. ووقت أن شاهد ملامحها وقابل الطبيبة المسئولة عن متابعة حالتها فشرحت له كيفية التعامل مع مولودة بهذه الحالة، وما هو المتوقع وماذا يحمل لهم المستقبل لم يعد يرغب في رؤية غالية ولا في رؤية رقية ولا في التواجد داخل المنزل.
تعاملت رقية مع ابنتها غالية كما تتعامل مع ملاك.. لم تكن غالية من المواليد كثيرة البكاء.. كانت مريحة للغاية.. فقط تستيقظ من نومها الطويل ترضع ثم تذهب في السبات من جديد.. أحبتها رقية على الرغم من اختلافها الذي لم تشعر به في بداية الأمر.. كانت بالنسبة لها روحها التي تحيا من أجلها.. لم تشعر سوى أنها مختلفة الشكل قليلا عن الرضع الذين يماثلونها في العمر.. فتقاطيع وجهها مختلفة من أعين صغيرة إلى فك بارز قليلا وأيد وأرجل مفلطحة عن المعتاد.
اختفى عبد الله وأصبح فقط يأتي ليلا، ينام في الصالة ولا يرى أحد من أهل المنزل.. وحين يأتي النهار يقوم مسرعا لارتداء ملابسه والهروب فورا من البيت.. ظل الوضع على هذا الحال طوال عدة أشهر حتى كان يوم فوجئت رقية بأن عبد الله قام بجمع ملابسه وأغراضه في حقيبة سفر واختفى دون حتى أن يلقي السلام على أحد ودون أن يخبر أحد بمكانه أو بسبب مغادرته البيت.
خلال الأشهر التي تلت ولادة غالية لم يقترب منها عبد الله مرة واحدة، لم يرد أن ينظر إلى وجهها ولا أن يحملها بين ذراعيه.. كانت غالية غريبة عنه كأنها ليست ابنته.. وعلى الرغم من حنية رقية عليها واهتمامها الشديد بكل أمورها إلا ان عبد الله لم يتقبلها أبدا بل كان ينفر منها كلما حاولت رقية أن تجعله يداعبها أو فقط يراها.
اختفى عبد الله تماما من حياة رقية.. لم يرد على مكالمتها ولم تعرف له مكانا.. تركها وحيدة مع طفلتها وغادر في صمت.. لم تدر رقية ماذا تفعل ولا كيف لها أن تجعله يعود إلى المنزل.. سيطر الخوف على رقية من المجهول الذي ينتظرها.. شبح الخوف الذي ظل يهددها طوال عمرها، ها هو الآن يتحول إلى حقيقة.. وجدت نفسها مسئولة وحدها عن طفلة ذات احتياجات خاصة وهي من كانت تخاف من تقلب الأمور وتحمل هم الأيام القادمة وما سوف تأتي لها به.
وفي يوم من الأيام وعند بلوغ غالية الشهر السادس من عمرها.. تلقت رقية ورقة طلاقها غيابيا من عبد الله.. ومع انهيارها التام وخوفها من المستقبل المجهول الذي ينتظرها وحدها مع طفلتها، دخلت رقية في نوبة اكتئاب مرضية عنيفة في وقت كانت في أشد الحاجة إلى كامل لياقتها النفسية حتى تستطيع العناية بغالية والتأقلم على وضعها الجديد.
***
الشمس تتوسط السماء وتضفي على الجو دفئ محبب إلى النفس.. بعض نسمات الهواء الرقيقة تخفف من الدفء وتجعل الطقس جميلا معتدلا على الرغم من أن شهر يوليو يعتبر من الأشهر الحارة في مدينة الغردقة.
انقسم الناس إلى فريقين.. فريق رغب في تناول افطاره في الهواء والشمس الساطعة وفريق أخر فضل أن يفطر بداخل المطعم حيث الجو مكيف.. كان شاكر من الفريق الثاني حيث أن أغلبية زملائه فضلوا الجلوس في الجو الصحو الجميل.. أما هو فقد اختار أن يبتعد عن الأخرين ويجلس بمفرده متناولا افطاره في هدوء.
- صباح الخير
قالتها رقية لأحمد متجهة إلى الطاولة التي كان يجلس عليها بصحبة عم جمال الذي كان قد اتجه إلى داخل المطعم لإحضار الطعام.
- صباح النور يا أستاذة رقية، أتمنى أن تكوني قد نمتي جيدا
نظرت إليه رقية وأومأت برأسها علامة على الايجاب ثم وضعت حقيبتها على المقعد الذي يجاوره وذهبت كي تأتى بكوبا من الشاي فهي لم تكن معتادة على الإفطار المبكر.
وعند ذهابها إلى الداخل وجدت مجموعة من العصافير يلتهمون بقايا خبز كانت موجودة على منضدة غادرها بعض الذين انتهوا للتو من افطارهم.
ذهبت رقية إلى بوفيه الطعام أحضرت الشاي ومعه قطعتي خبز، ثم جلست في هدوء تقطع الخبز إلى قطع صغيرة وتضعه على الأرض كي تجتمع عليه العصافير وتأكله.. وللمرة الأولى من بداية الرحلة ترتسم على وجهها ابتسامة كبيرة وتبدو في غاية السعادة وهي تطعم هذه الطيور الصغيرة وترتشف مشروبها الساخن في صمت.
ظهر الأخرين واحدا تلو الأخر وكله يتصنع الابتسامة ويبدأ في السلام على الجالسين ثم يأتي بطعامه ويلتهمه ناظرا في صحنه متجنبا الحديث الجماعي. 
وحده أحمد كان يبدأ الحوار ويسأل الأخرين عن ليلتهم وعما إذا كانوا قد ناموا نوما مريحا.. وبعد فترة قام أحمد لإخبار إيهاب علوان بجدول أعمال اليوم وبالأنشطة التي سوف يقوم بها الجميع مع أفراد الشركة التي أتت خصيصا لهذا الغرض.
كان إيهاب علوان يضحك ملء فيه جالسا بصحبة بعض الموظفات الشابات اللاتي كن لازلن تحت التدريب.. فمن الواضح أن تلك الفتيات كانتا لديهن القدرة على استحواذ انتباهه بل وأيضا على اضحاكه وقت أن كان يبتسم بالكاد في وجه الأخرين.
أخبر أحمد الجميع أن عليهم التجمع في الساعة العاشرة تماما وذلك للبدء في أنشطة اليوم كما أخبرهم بضرورة ارتداء الملابس الرياضية الخفيفة نظرا لأن هناك أنشطة سوف تقام في الهواء الطلق وهو ما كان متعارف عليه دائما في رحلات الريتريت.
ذهب البعض إلى غرفته لتبديل ملابسه وقام البعض الأخر باحتساء القهوة حتى يحين موعد بدء الأنشطة.. أما أفراد الشركة التي كانت مسئولة عن التنظيم فقد كانوا مجتمعين سويا على مائدة الإفطار في انتظار الموعد المحدد.
وبعد أن انتهى الجميع من تناول الطعام والمشروبات، وقرب الساعة العاشرة، ظهرت دليلة من بعيد مرتدية زي رياضي ضيق للغاية، تاركة شعرها منسدل على كتفيها من تحت القبعة الرياضية التي تلبسها، وواضعة مجموعة من مساحيق التجميل لا تناسب وقت الصباح أبدا.
كانت تخفي بالمساحيق الهالات السوداء التي كانت تحيط بعينيها من جراء بكائها في الليلة الماضية وما حدث لها من إيهاب علوان بعد أن ذهبت له في حجرته قرابة الساعة العاشرة ليلا.
كان قد فتح لها الباب ثم أدار ظهره ودخل الغرفة وقامت هي بغلق الباب في عجالة حتى لا يلاحظ أحدا من المارين أنها دخلت غرفته.
- ماذا تريدين يا دليلة؟
قالها إيهاب علوان وهو يشعل سيجارة في محاولة جادة للسيطرة على أعصابه.
أثارت حفيظة دليلة تلك الكلمة السخيفة وعلى الرغم من ذلك احتفظت ببرود أعصابها وهي تحاول أن تكون لطيفة متجنبة حدته معها.
- لقد أوحشتني يا إيهاب.. انتظرتك كثيرا في الأتوبيس وكنت متوقعة أن تركب معنا حتى تجلس بجواري ونتحدث.

- نتحدث في ماذا.. ألا تعلمي أن الموظفين كلهم موجودين في هذا الأتوبيس وأن جلوسنا سويا قد يثير الأقاويل.. ألا تشعرين أبدا أنك يجب أن تأخذي حذرك في تصرفاتك حتى لا يتحدث عنك الأخرون؟
نظرت إليه دليلة وهي تحاول أن تحتفظ بهدوئها قائلة:
- وجودي بجوارك أهم عندي من أقاويل الأخرين.. لقد أوحشتني فعلا.

- شكرا ولكن يجب ألا تكوني موجودة هنا الأن.. قد يطرق الباب أي شخص في أي لحظة وأنا لا أريد أن أضع نفسي في موضع شبهات.
بدأت دليلة تفقد صبرها شيئا فشئيا مع كلمات إيهاب علوان الجارحة والتي ترمي إلى كونها لا تهتم بسمعتها ولا بأقاويل الناس عنها في حين أنه هو الذي لا يهتم بذلك.
- اسمعني قليلا.. أعتقد آن الأوان لكي نتحدث بجدية في بعض المسائل.

- آتي بما عندك يا دليلة في عجالة فأنا أريد النوم.
زفرها إيهاب علوان في فروغ صبر شديد.. لم يكن أساسا ينظر إلى عينيها وقت أن تتكلم، كان منشغلا بالفيلم الأجنبي الذي يعرض على التلفزيون ليتجنب النظر إليها
ذهبت دليلة في حركة غاضبة فجائية إلى التلفاز وقامت بإغلاقه واستدارت مواجهة له قائلة في حدة:
- لا تعاملني بهذه الطريقة.. فأنا لا أستحق تلك المعاملة أبدا.
استدرك إيهاب علوان وقام بمعاودة تدخين سيجارته في زفرة عميقة ناظرا ا إليه في تحد:
- ماذا تريدين يا دليلة؟
بدأت دليلة في البكاء وهي تقول له بصوت محشرج:
- أنت الذي ماذا تريد مني.. لقد فعلت كل ما طلبته.. ذهبت للطبيب بمفردي وعرضت حياتي للخطر.. تخلصت من الجنين بفضل الأدوية التي أعطاني إياها.. تركتك طوال هذه الفترة حتى تعلم أني لا أريد سوى ارضائك وأن أكون بالقرب منك.. ماذا تريد مني بعد ذلك.. أخبرني ماذا تريد
لم يتأثر إيهاب ببكاء دليلة ولم يبد عليه أي انفعال.. استدار كي يطفئ سيجارته في المطفأة ثم قام وأغلق أنوار الغرفة ماعدا اللمبة الصغيرة التي كانت بجوار فراشه.. ذهب إلى الفراش واستلقى عليه واضعا الغطاء فوقه.. خلع نظارته الطبية ووضعها إلى جواره.
- أقول لك ماذا أريد منك.. أريدك أن تدعيني أنام.. فقط اخرجي من هذه الغرفة الآن.. أو ابق للصباح إذا شئت.. تصبحين على خير.
وجدت دليلة نفسها في منتصف الغرفة المظلمة ولم تكن قد شعرت في حياتها بالمهانة بقدر ما أشعرها به إيهاب علوان وقتها.. جريت ناحية باب الغرفة وفتحته، خرجت مسرعة وصفقت الباب ورائها بعنف.. ذهبت إلى حجرتها وارتمت على فراشها وانهارت من البكاء.
***
من ضمن الألعاب الجماعية التي رشحها أفراد الشركة المسؤولة هي لعبة الثلاث حقائق.. الغرض من هذه اللعبة هو التعرف أكثر على الأخرين من خلال قولهم لثلاثة حقائق عنهم تشمل واحدة فقط حقيقية والباقي كذب وعلى الأخرين أن يكتشفوا أي واحدة هي الحقيقة من ضمن ما يقوله.
- الثلاث حقائق الخاصة بي أولا أنني تخطيت الثلاثين من عمري، والحقيقة الثانية هي أن ابنتي تجيد رقص الباليه أما الحقيقة الثالثة فهي أني أخاف كثيرا من الأماكن المغلقة.
احتار الأخرين في اختيار أية حقيقة هي تلك التي تقصدها فيها رقية.. فالكل يعلم أنها مراجعة فهي قاربت على الأربعين وأنها تخاف من الأماكن المغلقة مثلما تخاف العديد من الأشياء الأخرى وكذلك أن ابنتها توفيت منذ خمس سنوات ولكنها أبدا لم تعترف بموتها ولم يشأ أحدهم أن يذكر شيئا عن ذلك.
فاجأت رقية الجميع بتلك الحقائق الثلاثة عنها عندما جاء دورها في اللعبة.. احتار البعض وارتبك البعض الأخر وأعلنوا فشلهم في معرفة ماهية الحقيقة التي قصدتها رقية حتى قالت لهم في نهاية دورها:
- أكيد الحقيقة أن ابنتي تجيد لعب البليه يا جماعة.. أما عمري فأنا مصرح لي الكذب بشأنه ولا أخاف أبدا الأماكن المغلقة.. الحقيقة الثابتة هي ابنتي وجمال لعبها لرقص الباليه .. أنا سوف أعزمكم جميعا لتشاهدوها وهي تتحرك مثل الفراشة مرتدية الفستان الأبيض الذي صممته لها خصيصا وواضعة تاج من الورد البنفسجي فوق رأسها.
كانت رقية تتحدث بنبرة حالمة.. شاخصة ببصرها في الفراغ الذي أمامها ومتناسية أنها توجه الحديث لهذا العدد الكبير من الزملاء والزميلات.. كانت كمن يحدث نفسه ولم تفق إلا على صوت فرد الشركة المسئولة عن الأنشطة وهو يقول لها ربنا يخليها لحضرتك ويحفظها دائما.
نظرت إليه من طرف عينيها وانعقد حاجبيها في طريقة تنم عن غضب شديد وصرخت في وجهه:
- سوف يحفظها ويخليها فهي دنيتي كلها.
امتقع وجه الأغلبية من الواقفين الذين كانوا يعرفون بحكاية رقية وعدم اعترافها بموت ابنتها.. حاول البعض تغيير المواضيع واثارة بعض الضحكات بالتحدث في أمور أخرى غير ذات صلة بهذه اللعبة.. جلست رقية على مقعدها وسط الطاولة المستديرة التي كان يجلس عليها بضعة من زملائها والتزمت الصمت التام.
لم تكن رقية متزنة نفسيا، فمنذ أن توفيت غالية وهي تعاني.. لم تكن أبدا مستعدة لتقبل حقيقة الأمر والاعتراف بوفاة ابنتها حتى بعد مرور خمس سنوات كاملة.
كانت غالية مريضة، فبالإضافة الي كونها طفلة غير عادية، فقد كانت أيضا تعاني من ثقب في القلب مما أدى إلى مضاعفة حجم المأساة التي تعرضت لها رقية.
عانت رقية أشد المعاناة مع غالية ولم يساعدها في ذلك سوى أختها أميرة على قدر استطاعتها مع ظروف عملها الصعبة في الشركة التي تعمل بها والتي تضطرها إلى التأخير يوميا بعد مواعيد العمل بساعات طويلة.
ومع اختفاء عبد الله من حياة رقية وغالية وهروبه في تلك الظروف الصعبة التي تعرضت لها أسرته، لم تجد رقية بدا سوى أن تتصرف وحدها في كل شئون الطفلة المريضة. 
تحملت المسئولية كاملة وفقدت الأمل في عودة عبد الله بعد أن تهرب من اتصالها وتعذر الوصول إليه حتى اليوم الذي فوجئت فيه بطرق على باب منزلها وكان بانتظارها ورقة طلاقها غيابيا.
عندما يجتمع المرض مع قلة الحيلة تكون معالجة الأمور دائما أصعب.. واجهت رقية مرض ابنتها وحاولت أن تستجمع كل الشجاعة التي لم تتحل بها أبدا في أي موقف من مواقف حياتها.. فالخوف دائما هو المسيطر وقلة الحيلة هي سيدة الموقف.. أما هذه المرة فالموضوع يختلف.. الرضيعة مريضة مرض مضاعف وبحاجة إلى رعاية كاملة لمدة أربعة وعشرون ساعة، ورقية بمفردها تواجه الموقف ولابد أن تتصرف.
حاولت رقية الموازنة بين رعاية الرضيعة وعملها حيث أنه هو مصدر دخلها الوحيد.. كانت قد أتت ببعض السيدات للعناية بالرضيعة لفترة النهار حتى تأتى هي وتستلم منهم فترة الرعاية المسائية.. ولكن لم تستمر سيدة وراء الأخرى في هذه المهمة الصعبة وكن يتركن العمل فجأة دون سابق انذار.
كانت رقية بحاجة إلى الكثير من النقود حتى تستطيع الانفاق على علاج غالية الذي تجاوز مبلغه عدة الآف شهريا في الشهر الواحد.. لم تكن أبدا مستعدة للتضحية بعملها الذي أصبح مصدر دخلها الوحيد.. بل أنها كانت بحاجة إلى مصدر دخل إضافي حتى تستطيع منه دفع جلسات العلاج الطبيعي للصغيرة وكذلك دفع المتابعة الطبية المستمرة لها.
ازداد غياب رقية عن العمل في فترات كثيرة فاستنفذت أيام اجازتها العارضة والسنوية حيث لم تجد من يعتني بغالية فترة الصباح مع هروب الكثيرات اللاتي كانت تحضرهم من أجل هذا الغرض.
لم تكن تستطيع أيضا أن تطلب من أختها ترك عملها والجلوس مع الصغيرة فهي بالفعل طلبت منها ذلك وقامت به أميرة عدة مرات ولكنها كانت تعمل في شركة استثمارية ظروفها لا ترحم.
ومع تولي إيهاب علوان إدارة فرع البنك، ومع تفاقم حالة الصغيرة بعد أن أصبح عمرها عامين وأصبحت بحاجة إلى جلسات تخاطب وتقويم وعلاج طبيعي أكثر من ذي قبل، ازدادت أحوال رقية صعوبة. 
لم يرحمها إيهاب علوان في طلبها للإجازات الاستثنائية ولم يقدر أبدا ما تعانيه والظروف الخاصة التي تمر بها.. بل على العكس كان دائما يكلفها بعمل يفوق طاقتها ويطلب من مدير ادارتها أن يتخذ الصرامة في معاملته معها.. فمع كثرة الهموم التي كانت تحملها رقية على عاتقها، كانت كثيرة الخطأ في العمل وكان كل خطأ تقوم به يكلف الإدارة الكثير ويضطر المدير إلى التدخل بنفسه والتصرف لإنقاذ الموقف.
وفي مقابل تلك الأخطاء، تعنت إيهاب علوان مع رقية تعنتا تاما، لم يكن يريدها في الفرع الذي يديره وبواسطة معارفه في الإدارة الرئيسية استصدر قرارا بنقل رقية فرع البنك ببنها وذلك عقابا لها على أخطائها المتكررة وهو ما قد فوجئت به رقية في يوما ما وساعتها لم تدر بنفسها إلا وهي تقوم بالصراخ في صالة فرع البنك ثم وقعت مغشيا عليها.
***
انقسم الجميع إلى ثلاث فرق تتنافس فيما بينها بهدف الحصول على الكنز المزعوم.. فكان لكل فريق مدرب خاص من الشركة يوجهه في رحلته عبر طرقات الفندق وخلف الأشجار الكثيفة في الحدائق حتى يقوم بالبحث عن وريقات صغيرة عليها كلمات تشكل لغر معين يجب على الفريق حله.. وعند نجاحه في الحل ينتقل إلى مرحلة جديدة من المسابقة ويتم البحث عن وريقات أخرى في أماكن مختلفة حتى يصل الفريق الفائز إلى الكنز الذي كان غير معلوما لأحد سوى لأفراد الشركة وحدهم.
كان لكل فريق قائدا تم اختياره عن طريق القرعة بين المشاركين في المسابقة.. لم تكن تلك المسابقة تفرق بين مدير وعامل، كان الكل فيها سواء.. فعم جمال كان قائدا للفرقة التي وقع حظه عليها وكانت دليلة عضوا في فريقه.. أما شاكر الليثي فكان قائد فرقة أخرى بها إيهاب علوان واحدا من أعضائها.
وضع ذلك عبئا على شاكر أن يكون قائدا للفرقة التي بها المدير والذي لم يكن بينهما أي ود.. كان في البداية مترددا يريد الانسحاب من تلك المسابقة فشاكر لم يكن من النوع الذي يثيره الألعاب الجماعية ولا الفردية.. ولم يكن يريد التعامل مع أحد من الأساس.. أما أن يكون قائدا لفرقة بها إيهاب علوان فهو شيئا لم يعمل له حسابا.
بدأت الفرق تستعد لأخذ دورها في المسابقة وكان على كل قائد فرقة أن يوجه فرقته لحل الالغاز الموجودة في الوريقات الصغيرة استعدادا من الفريق للبحث عن الكنز المفقود.
بدأ شاكر بقراءة اللغز الأول والذي كان مكونا من عدة أرقام ورموزا يجب على الفريق معرفتها للانتقال للمرحلة التي تليها.. كان فريق شاكر يقف في بهو الفندق محاولا النظر إلى الورقة التي بحوزته لحل اللغز، أما إيهاب علوان فكان يقف بعيدا موجها نظره إلى دليلة التي كانت تلعب مع فرقة أخرى وتصدر منهم صيحات الحماس كل فترة في إشارة إلى أنهم قد قاموا بحل اللغز الخاص بهم وعلى استعداد للانتقال إلى المرحلة التالية من المسابقة.
أما شاكر ومن معه فكانوا من البطء والتمهل في حل الألغاز لدرجة أن جميع الفرق الأخرى سبقتهم وخرجوا إلى حديقة الفندق للبحث عن دلالات أخرى للألغاز المكتوبة في الوريقات الصغيرة المخبأة في أماكن غير معتادة.
كان شاكر يشعر بالحرج الشديد وهو مكلف بإدارة تلك الفرقة وتوجيهها ولا يستطيع فعل ذلك أمام إيهاب علوان.. لم يستطع لا هو ولا أحد من فرقته حل أول لغز، بل كل ما فعلوه هو أن قاموا بقراءة الورقة مرات ومرات دون التوصل إلى حل.
وأمام حيرة شاكر واحساسه بالخجل الشديد تدخل إيهاب علوان وأتى من الركن البعيد الذي كان يقف به وقام بطلب الورقة التي أعطاها له شاكر وأخذ يحسب الأرقام والرموز وحل اللغز بمنتهى البساطة.. قام فرد الشركة المنظمة للمسابقة بتحيته وحث الجميع على التصفيق له ومن بينهم شاكر الذي صفق له وعيناه في الأرض لا تبرحها.. ثم قام الفريق كله بالتوجه سريعا إلى حديقة الفندق في محاولة لحل باقي الالغاز. 
نظر إيهاب علوان إلى شاكر قبل مغادرة البهو نظرة رثاء وتعبيرات وجهه تقول له "حتى الفشل يلازمك أيضا في حل الالغاز وليس فقط في العمل!"
فهم شاكر تلك النظرة جيدا وانسحب بهدوء متعللا بالذهاب إلى الحمام وما أن وصل إلى غرفته ورأى نفسه في المرآة حتى قام بتوبيخها مقرعا إياها على صورته التي تهتز كل يوم أمام إيهاب علوان حتى ولو كانت في إطار ترفيهي مثلما حدث منذ قليل.
كان شاكر الليثي مدعاة سخرية مستمرة لرؤساء الأقسام في فرع البنك وأكثر شخص يتم التجني عليه عند اجتماع المدير مع مسئولي الأقسام أو مع العملاء ذوي العيار الثقيل الذي تعمل كل فروع البنك لخدمة ثروتهم وأعمالهم.
 كثيرا ما كان يطلب إيهاب علوان من شاكر أن يذهب إلى مكتبه في وجود رؤساء الأقسام الأخرين وذلك لتنفيذ طلب ما أو القيام بفتح خطاب ضمان لعميل هام.. كان يثير حفيظة شاكر أن إيهاب علوان يدعه يقوم بالأعمال الورقية الخاصة بعمله والتي من الممكن أن يقوم بها أي موظف شاب في القسم.. أما الاخرين فكانوا فقط يحصلون على التعليمات ويقدموا التحية الواجبة لضيف المدير ثم يقومون بتوجيه الأوامر إلى الموظفين الصغار كي يتولوا الأعمال الورقية وما إلى ذلك من ملء المستندات الضرورية.
الإحساس بالنقص دائما ما ينعكس على التصرفات والسمات الشخصية وقد يؤدي ذلك إلى المزيد من التكبر والتعالي من الطرف الأخر الذي تكون نيته غير سليمة فيقابل تلك التصرفات بالمزيد من المعاملة السيئة وهكذا.. هي دائرة مفرغة لم يستطع أن يخرج منها أبدا شاكر الليثي.. كان يشعر دائما بالضآلة وبأنه لا يستحق أبدا الوضع الذي كان عليه.. وكان ذلك ينعكس على تصرفاته بعدم ثقة في النفس وبالخوف الدائم من المواجهة.
أما إيهاب علوان فكان يشعر دائما بالكبر والتعالي فور أن يجد شاكر على هذه الحالة من التردد وانعدام الثقة.. بل أنه كثيرا ما تعمد اهانته أمام الأخرين دون سبب محدد سوى أن عدم ثقته بنفسه يتردد صداه لدى إيهاب الذي يتمتع هو الأخر بمركبات النقص التي تستوجب أن يعامل شاكر معاملة سيئة خالية من الصفات الإنسانية السوية.
استجمع شاكر قوته وخرج من غرفته كأن شيئا لم يحدث وذهب إلى حيث تقف مجموعته التي من المفترض أن يكون قائدا لها يرشدهم لحل الألغاز حتى وجد إيهاب علوان قد أخذ هذا الدور وقام هو بقيادة المجموعة فوقف شاكر جانبا في استسلام تاركا للمدير مهمة القيادة.
وبعد انتهاء المسابقة وفوز فريق إيهاب علوان بالجائزة، وعند تعليق أفراد الشركة المنظمة للمسابقة على تصرفات كل فرد في إطار فريقه وعلى ماهية التصرفات الأسلم التي كان يجب أن تنفذ من قبل كل واحد فيها، كان أكبر التعليقات من نصيب شاكر الذي تم مواجهته بأنه لا يصلح أن يكون قائدا وذلك حين تخلى عن فرقته وترك قيادتها بروح انهزامية وكأن شاكر بحاجة إلى مزيد من اللوم والتأنيب.
***
تعليقات