(5)
دليلة، الفتاة الجميلة التي نشأت في أسرة مفككة بين أب وأم لا يجمع بينهما سوى الخلافات والمشاكل حتى تم طلاقهما عندما أتمت عامها الثاني عشر وبدأت فترة المراهقة الحساسة.
ابتعد والد دليلة عن مصر نهائيا وسافر إلى دبي حين وجد فرصة عمل ملاءمة له هناك، أما والدة دليلة فأثر عليها هذا الانفصال بصورة غير طبيعية، فكانت كثيرة الخروج مع أصدقائها من الرجال والنساء، مهملة لدليلة اهمالا تاما مما اضطر الفتاة المراهقة تعويض ذلك الإهمال بأن تلجأ إلى صداقات متعددة مع زملائها الأولاد في النادي والمدرسة حتى تعوض الحرمان العاطفي الذي أخذت تعاني منه مع تفكك الأسرة وانشغال كل من أمها وأبيها عنها.
تمردت دليلة على كل ما كان مفروضا عليها ومعتادا لمثل من هم في عمرها.. فكانت مشاغبة كثيرة المشاكل، حتى أن مدرسيها كانوا دائمي الاتصال بوالدتها للشكوى منها فتتهرب بدورها منهم ولا تود الحديث معهم بشأن دليلة.
بدت دليلة قوية الشخصية، ذات ثقة تامة في نفسها، معتدة برأيها.. ولكن الحقيقة كانت عكس ذلك تماما.. فدليلة كانت تشعر بافتقاد الجو الأسرى وبالخواء الشديد من داخلها وتحاول تعويض قلة ثقتها بنفسها من خلال الصوت العالي والملابس المثيرة ومصادقة الفتيان ذوي السمعة السيئة.
ازدادت دليلة اهتماما بنفسها حين أدركت أنها جميلة، وأن جمالها يمكن أن يجلب لها الكثير من الحظ.. فمع كل الشباب الذين كانت تصادقهم ومع كل نظرة غيرة من فتاة تماثلها في السن، أصبحت تشعر بأنها مختلفة واكتسبت المزيد من الخبرات الحياتية بالنسبة لعمرها الصغير.
بدأت قصة دليلة وايهاب علوان بعد عدة أشهر من تعيينها في البنك، حينها استعملت دليلة كل أسلحتها الأنثوية مع هذا الرجل المغرور ذو الشخصية الصلبة.. كان قد بدأ يلين لها بالفعل ويأخذ اهتمامه بها شكلا غير معتادا، فكثيرا ما كانا يستمر وجودهم في العمل بعد مواعيده الرسمية، يجلسان سويا للتحدث بحميمية تحت تأثير استعمال دليلة لكل مقومات أنوثتها كي تستميله ا إليه.
عم جمال هو الشاهد الأساسي على تلك الحوارات ذات الضحكات العالية والايحاءات الغير معتادة في أماكن العمل حيث أن ظروف عمله كانت تطلب منه أن يكون أخر من يغادر فرع البنك ولكنه أحيانا ما كان يضطر إلى المغادرة تاركا دليلة وايهاب علوان مستغرقين في حواراتهم الهامسة الطويلة.
عرفت دليلة بمهارتها ودهائها الأنثوي أن تسيطر على عقل الرجل الكبير في البنك.. فأصبح لا يستمع إلا لكلامها ولا يثق إلا في آرائها وذلك على الرغم من سنها الصغير وتجربتها المحدودة في العمل.
كانت دليلة كالأفعى الناعمة تتسحب ببطء وتلف على صاحبها بكل حنية ورشاقة حتى تحكم قبضتها عليه وحينها لا يمكنه أبدا مقاومتها وإلا يكون مصيره الهلاك.
أحست في تلك الأيام أنها ملكت إيهاب علوان وأن مفاتيح شخصيته البغيضة أصبحت بين يديها، زادت من جرعة الاهتمام بكل شئونه حتى أنه كان نادرا ما يستغنى عنها في أي شأن يخصه.
ومع مرور الأيام أخذت العلاقة بينهما شكلا أكثر عمقا حين فاتحها إيهاب بأنه يرغب في أن يراها خارج أجواء العمل وأنه يريد أن يقضي معها عطلة نهاية الأسبوع في الشاليه الخاص به في العين السخنة.. قال لها أن أعصابه متوترة من ضغط العمل وأنه يرغب في الابتعاد يوما عن القاهرة وكل ما فيها من ضوضاء بداية من البنك وحتى أسرته الصغيرة.
ترددت دليلة ولم تقبل دعوته في بداية الأمر ليس لشيء لأنها أرادت ألا يحصل عليها أبدا بهذه السهولة.. أما بداخلها فكانت تنتظر مثل هذا اليوم بفارغ الصبر فلم يكن هناك من يردعها أو حتى يسأل عن غيابها عن المنزل أيام الإجازة.. كانت أمها مشغولة بحياتها وبمغامراتها الصبيانية التي ما تلبث أن تنتهي من واحدة حتى تبدأ في الأخرى تاركة دليلة تفعل ما بدا لها في حياتها غير عابئة بأي شأن من شئونها.
وعند مماطلة دليلة لإيهاب علوان في مسألة السفر للعين السخنة لم يسكت إيهاب على ذلك وتغيرت معاملته لها في الأيام التالية لذلك من أوامر حادة، لطريقة في الكلام غير لائقة أمام بقية الموظفين، لتعنت في أمور العمل والإصرار على أعمال يعلم تماما أنها ليست من اختصاصها وفوق مستوى كفاءتها.
لم ترد دليلة أن ترضخ له حتى مع تلك المعاملة المهينة التي أصبح يعاملها إياها.. كانت كثيرا ما تتذكر ماضيها وكم الأخطاء التي ارتكبتها في حق نفسها.. كانت تتوق إلى أن تصون كرامتها قليلا مع ذلك الرجل.
كانت دليلة مرتبطة قبل إيهاب علوان بشاب أقنعها بالزواج.. استسلمت له دليلة ووثقت فيه تمام الثقة وأعطته ما أعطته ثم أخذ الشاب يماطل في موعد الخطبة والتقدم لطلب يدها منأمها حتى انتهت القصة بينهم بأن تركها واختفى تماما من حياتها ولم تدر وقتها ماذا تفعل سوى أن تبكي على حالها وعلى ما جنته على روحها.
خرجت دليلة من قصة ذلك الشاب ونفسها منكسرة ولم تحك أبدا ما حدث لها ولا حتى لأمها فهي لم تكن لها صديقات بالمعنى الحرفي للصداقة، كانت كلها معارف ورفقاء اللقاءات الليلية التي لا تثق في أي شخص فيهم.
حفظت دليلة سرها بداخلها وقررت أن تتعلم من الدرس وألا تدع أحد بعد ذلك يستغل عواطفها وأن تكون هي الطرف المسيطر في العلاقة، ولكن هيهات مع شخصية مثل شخصية إيهاب علوان أن تنجح في ذلك.
لم تكن تلك هي المرة الأولى التي تسلم فيها دليلة نفسها لشاب ما، كانت كل مرة تأتى عند حد معين وترفض أن تكمل العلاقة مما جعل الشباب يتخلوا عنها الواحد تلو الأخر حين تبدأ في مفاتحتهم في أمر الخطبة والزواج وهو ما كان سببا كبيرا لهروب الجميع منها.
تتأجج المعركة الداخلية لدليلة كل يوم حين تذهب إلى العمل ويقابلها إيهاب علوان بتعاليه وتكبره واهاناته المستمرة بسبب رفضها السفر معه، وتفكيرها المستمر في العدول عن رأيها والاستجابة له مع علمها بأنه رجل متزوج ولديه أسرة وبأنه إذا اكتشف أمرها ستكون سيرتها على كل الألسنة ولن يستطيع أحد اخراسها أبدا.
وفي يوم ما وتحت الضغط المستمر من جانب إيهاب علوان استجابت دليلة أخيرا له ولمطلبه وأخبرته أنها توافق على السفر معه بشرط عودتهم في نفس اليوم وعدم تأخرها هناك ليلا.
لم يبد وقتها إيهاب علوان أي سعادة لموافقتها على طلبه، بل بالعكس نظر لها نظرة دونية متكبرة من طرف عينيه وأخبرها أن تقابله يوم السبت في التاسعة صباحا على الطريق الدائري في مكان حدده لها كي يصحبها من هناك دون أن يترك لها حتى فرصة للتفكير في موعد أو مكان اللقاء كأنه أمر واجب عليها تنفيذه دون اعتراض أو مقاومة من جانبها.
رضخت دليلة في النهاية.. ولكنها أبدا لم تشعر بأن استجابتها سببت له أي نوع من أنواع الرضا أو النشوى.. فقد كان إيهاب علوان مثل الصياد الذي يحوم حول فريسته ويحاول اصطيادها بكل ما يملك من مهارات، وما ان تقع الفريسة في شباكه حتى يفقد اهتمامه بها تماما ويحاول البحث عن فريسة أخرى لا تقع في شباكه بتلك السهولة.
***
انبهر عم جمال بفخامة الفندق المقام به الريتريت.. كان ينظر إلى التحف التي تملأ البهو ولطعام العشاء الذي يمكن أن يكفي الحي الذي يسكن فيه بأكمله وفخامة السجاد والمفروشات التي كانت عليها غرف الإقامة.
ظل يفكر أن ثمن واحدة أو اثنين من هذه الأشياء يمكن أن يحل له مشاكل كثيرة جدا تجعله في غنى عن سؤال الناس كل شهر وعن محاولاته المستمرة لتأمين ثمن علاجه ذي التكاليف الباهظة.
- سوف تسافر وأنت مريض يا جمال؟
سألته وفية في استنكار فهي لم تكن تتوقع أن يتركهم في تلك الظروف ويسافر مع عمله حتى ولو كان لعدة أيام قليلة.
رد عليها عم جمال وعلى وجهه مشاعر مختلطة من الخجل والألم:
- تعلمين أنه ليس بيدي يا وفية.. فأنا ما كنت أترككم أبدا في أي ظرف.. ولكنها قرارات إيهاب بك الذي لا يدري ولا يشعر بحجم الألم الذي أمر به ولا بالظروف الصعبة التي تواجهنا هذه الأيام.
- ارفض السفر اذن وقل له أن مرضك يحول بينك وبينه.. حاول أن تقنعه أنك بحاجة إلى الراحة ولا تقدر على السفر ومشاقه.. الصغار يحتاجونك يا جمال وأنا الحمل ازداد علي.
- لا أستطيع أن أرفض يا وفية.. حاولت ولم أقنع البك المدير.. ولكن لا تقلقي فالأتوبيس مريح فضلا على أننا سنقضي المدة في فندق ولن أضطر للعمل هناك.
رد عليها عم جمال محاولا طمأنتها والتخفيف عليها ثم تابع:
- أعلم أن الحمل ثقيل عليك يا وفية ولكني قد أوصيت الشباب أن يساعدوك في غيابي وأن يتولوا مهمة الاستذكار للصغيرين في أوقات راحتهم من العمل.. بالأخير هم يومين وسوف أعود بإذن الله.
أفكار كثيرة دارت في رأس عم جمال فور وصول الفوج إلى الفندق محل الإقامة وحين شاهد فخامة المكان وعلم بأسعار الغرف من باقي الموظفين عندما سمعهم يتحدثون بهذا الشأن، شرد خاطره في أحوال الدنيا الغريبة.. ها هو الآن نزيلا مقيما في هذا الفندق الفخم ولكنه في حقيقة الأمر لا يستطيع مرتبه أن يدفع حق ليلتين اثنين من الإقامة في هذا المكان.
تجبرنا الحياة على فعل ما نراه غير منطقي في كثير من الأحيان ولكن تكون الظروف الخارجية أكبر منا كثيرا.. لطالما فكر عم جمال أن حق ليلة أو ليلتين في هذا المكان يمكنهما أن يساعدا في توفير ثمن الدروس الخصوصية للصغيرين.. وان حياة البذخ والترف التي اضطر أن يتعرض لها في تلك اليومين لم تكن تروق له أبدا.. فهو لم يعتبرها إجازة تعينه على الحياة وعلى تحمل مشاقها وصعابها.. بل كان يشعر بالسخط الشديد لأنه في مكان ليس مناسب له، يأكل من طعام لا يستطيع أن يوفره لأسرته، ينام على فراش مريح أكثر من فراشه الخاص في منزله المتواضع بحي المنيرة، يرى البحر ولم يكن صغيراه قد رأوه في حياتهما بعد.
إذا كان إيهاب علوان يصر على ذهابه كل عام إلى تلك الرحلة البغيضة بالنسبة له، فيجب أن يعلم أنه يضره بذلك الفعل.. هو يعتقد أن هذه المظاهر الثرية سوف ترضي عم جمال وتجعله سعيدا لوجوده بهذا المكان الفخم، ولكنه لا يعرف أن الوضع هو عكس ذلك تماما.. فان سخط عم جمال يزداد على الحياة وتزداد معه نقمته عليها.. يظل يفكر في حاله وحال أولاده وهو لا يستطيع أن يتحمل مصاريفهم كاملة مما اضطر الكبيران إلى العمل مبكرا بعد الشهادة المتوسطة.. وزاد عليه حمل مرضه وحالته الميؤوس من شفائها.. فقد قال له الطبيب أنه يجب عليه أن يتعايش مع المرض وأن يرضخ له لأن الشفاء بيد الله وحده ولكن مثل تلك الحالات لا تعالج بسهولة.. وقت أن قال له الطبيب ذلك لم يفكر في نفسه، بل فكر في وفية والصغيرين الذين أتى بهما إلى الدنيا على كبر وبدون أي ذنب من ناحيتهم.
شغلته أمور الصغيرين الذين سوف يضيعون من بعده.. لطالما حلم أن يراهما في مكانة متميزة وذوي مستقبل باهر.. كان تعليمهما هو الوسيلة الوحيدة إلى ذلك.. لابد ألا يكرر خطأه مع أولاده الكبار ويستسلم لتعليمهما تعليم متوسط.. فالصغار حتما سوف يأخذون الشهادة العليا لتكون سلاحا لهم لمواجهة الحياة وحدهم وقت أن يرحل عنهم.. لن يكرر نفس الخطأ مرتين.. اه لو يعلم إيهاب علوان كم هو بحاجة الأن إلى الجلوس وسط عائلته على طاولة الطعام القصيرة التي يجتمعون عليها جالسون على الأرض، فهي أفضل لديه من كل ذلك الطعام المقدم في بوفيه الفندق على أنغام الكمان الهادئة حتى ولو كان فقط قليل من الفول وقطعة من الجبن.
***
أشرقت شمس أول يوم من أيام الريتريت على الفندق في الغردقة.. استيقظ أحمد مبكرا كعادته وقرر أن يتريض قليلا في المساحات الخضراء الشاسعة المحيطة بالفندق ثم يجلس على البحر حتى يحين موعد الإفطار.
أخذ أحمد يفكر فيما حدث قبل السفر إلى الغردقة بأيام قليلة.. كان قد انتظر قرابة الساعة لمقابلة إيهاب علوان في مكتب دليلة، وعند دخوله عليه المكتب أخيرا وجده مستغرقا في كومة من المستندات التي يراجعها أمامه.
نظر إليه إيهاب من فوق نظارة القراءة التي يرتديها وهو يشاور له أن ينجز ما لديه ويقول سبب المقابلة في عجالة.. جلس أحمد في المقعد المقابل لمكتبه وبصوت خفيض بدأ قائلا:
- جئت بشأن عم جمال يا أستاذ إيهاب
- ماذا بشأن عم جمال يا أحمد.. رجاء الاختصار حيث ليس لدى وقت كثير للمناقشة
قالها إيهاب ناظرا من جديد في كومة الأوراق التي أمامه على المكتب.. لم ييأس أحمد قائلا وهو يشعر بنبرة السخرية وبعدم قابلية إيهاب علوان للاستماع إليه:
- عم جمال يعاني من مرض السرطان كما تعلم سيادتك ويدفع في الشهر حوالي عشرة الاف جنيها في العلاج فقط وذلك دون حساب مصاريفه الشهرية الأخرى حيث أن لديه من الأولاد أربعة.. وكنت أود أن أطلب من سيادتك..
لم يعط إيهاب علوان لأحمد فرصة أن يكمل الجملة ونظر إليه مجددا من فوق نظارته وهو يشيح بيده في عدم صبر:
- أظن الموضوع انتهى منذ أن حدثتني فيه المرة الماضية.. نحن هنا في بنك ولسنا في جمعية خيرية حتى نقوم بالتدخل لعلاج كل موظف ونغطي له مصاريفه الشهرية.
- ولكن الإدارة السابقة..
قالها أحمد بصوت خفيض فرد عليها أستاذ إيهاب في حدة مقاطعا كلامه:
- الإدارة السابقة لها نظام والبنك تحت ادارتي له نظام أخر يا أستاذ احمد.. لا أريد أن أسمع كلمة أخرى واحدة عن نظام الإدارة السابقة.. وإذا كانت ادارتي للفرع لا تروق لك بإمكانك ترك وظيفتك من اليوم.. وسأحرص تماما على أن آتي بموظفين أكفأ منك يقدرون نظام ادارتي للبنك ولا يتدخلون فيما لا يعنيهم.. انتهى كلامي وبإمكانك أن تتفضل إلى مكتبك الآن.
خرج أحمد من المكتب وهو يجر أذيال الخيبة ووجهه في الأرض.. لم يرى وجه دليلة التي كانت تستمع إلى كل حرف قاله إيهاب علوان وتردد كل كلمة من كلماته في ذهنها حتى تستخدمها في سياق أخر لتكون ناطقة ومتحدثة رسمية بلسان المدير.
وعند باب البوفيه استقبل عم جمال أحمد وفهم من نظراته أن المقابلة باءت بالفشل للمرة الثانية وأن إيهاب علوان رفض أن يزيد من التأمين الطبي لعم جمال أو حتى وافق على إعطائه السلفة.
نظر عم جمال إلى وجه أحمد وعليه علامات الأسى وتمتم له مربتا على كتفه:
- معلهش يا أستاذ أحمد، لقد فعلت أزيد من المطلوب منك والله.. ربنا كبير يا أستاذ أحمد.. ربنا موجود.
***
- وما أدراني أني والد ذلك الطفل يا دليلة؟ هل تعتقدي أنني يمكن أن أغامر بمنصبي الوظيفي ومستقبلي كله في سبيل الاحتفاظ بذلك الطفل حتى لو كان ابني؟
ردت عليه دليلة والدموع تملأ عينيها..
- وهل جننت لتتخيل أني أقابل أحد غيرك؟ انه طفلك أنت الذي تريدني أن أقتله.. انه طفلك حتى لو كان لايزال نطفة لم تكمل شهرها الثاني.. فأنا حامل منك أنت يا سيادة المدير ذو المنصب الوظيفي الكبير.
لم يرد إيهاب علوان أن ينظر لها ولا أن يطيل الحوار أكثر من ذلك.. فكر قليلا ثم أخبرها أن عليها أن تتخلص من هذا الطفل فورا وإلا ستكون العواقب وخيمة.
وعدها بمستقبل مختلف في البنك وبترقية وظيفية وبأن تنتقل للعمل في المجال البنكي نفسه وليس في وظيفة السكرتارية، وأخبرها أن كل ذلك لا يمكن أن يحدث وهي تحمل طفل في أحشائها.. وأنه لا يمكنه أبدا الاعتراف به، وحتى إذا قام بذلك فكيف ستكون سمعتها وسيرتها اللذين ستلطخهما كل الألسنة.
- ولماذا لا نتزوج حتى لو سرا ثم أقوم بالسفر للوقت الذي سوف يحين فيه موعد الولادة؟
سألته دليلة بصوت هامس ذليل وهي تتوقع تماما ردة فعله لها.
- هل جننت يا دليلة.. وبماذا أواجه حنان وأبنائي الشباب.. وماذا أقول للزملاء.. أخطأنا سويا فتزوجنا؟ انس هذه الخرافات من مخك وفكري في مستقبلك والفرصة التي سوف تأتيك.. فكري بالعقل واحسبيها بحسابات المنطق.
***
عاش إيهاب علوان طفولة صعبة مع أب قاسي لا يعرف الرحمة وأم لا حول لها ولا قوة.. كان أبيه كثير الانتقاد له في كل تصرف من تصرفات حياته اليومية.. لم يكن يرى منه إلا الجانب السيء.. كان يتعرض للتنمر على يد أبيه بصفة مستمرة، أوقاتا لأنه لم يأت بدرجات عالية في المدرسة، وأوقاتا أخرى بسبب لعبه وتدميره لقطعة من أثاث المنزل كتصرف طبيعي لأي طفل في مثل عمره، وأوقاتا أخرى تنمر فقط من أجل التنمر وبدون أي أسبابا حقيقية.
طالما سمع كلمة "أنت لا تصلح لشيء.. أنت فاشل وعديم الأهمية.. أنت لا جدوى أبدا منك" وغيره من الكلمات التي تقوم بتدمير نفسية أي طفل في مراحل عمره المختلفة.
حتى عندما أتى إيهاب علوان بمجموع كبير في الثانوية العامة وأهله ذلك إلى القبول بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، لم يرضي ذلك الدكتور علوان أيضا وتنمر عليه أنه لم يأت بمجموع يدخله كلية الطب ليصبح طبيبا مثله.
كره إيهاب علوان الطب وكره كل ما يمت لوالده بصلة.. كثيرا ما كان يتمنى فقط موته وعدم رؤيته مرة ثانية.. لم يستطع أبدا إيجاد التفسير المناسب لمعاملة والده له بتلك الطريقة اللا آدمية.. كما أنه لم يجد هذا التفسير عند والدته هي الأخرى.. فدونا عن أختيه، كان الدكتور علوان يقصده هو بالذات بتلك المعاملة الجافة الخالية من المشاعر ويغدق على الأختين بالكثير من الحب والاهتمام متجاهلا شعور ابنه بالغيرة الشديدة.
قرر أنه لن يكون طبيبا أبدا فقط كي لا يحقق أمنية والده في أن يصبح طبيبا مشهورا مثله.. دخل القسم العلمي بناء على ضغط شديد من والده ولكنه في قرارة نفسه كان متخذا العزم على أن يلتحق بأية كلية الا كلية الطب.
وعندما أتى بمجموع كبير ولم يسعفه هذا المجموع على الالتحاق بكلية الطب تنفس الصعداء وهو يعلم أنه لن يتوانى أباه عن تعنيفه على الأقل لمدة عام قادم.
أثرت معاملة الدكتور علوان على نفسية إيهاب فأصبح متبلد المشاعر، لا يحب ولا يكره، لا يصادق ولا يعادي كما أنه كبر وأصبح لا يلق بالا لتوبيخات أبيه له فهو قد اعتاد على ذلك طوال عمره وأصبح الأمر بالنسبة له طبيعيا.
فقط كان يتحاشى الاحتكاك بوالده قدر استطاعته.. فالوالد في العيادة مساءا وايهاب هائم على وجهه مع عدة شباب لا يعتبرهم أصدقاء، فهو لا يعرف الصداقة بمعناها الحقيقي.. كما أنه لا يراه في الصباح حين يذهب إلى جامعته ويكون الدكتور علوان مازال نائما بسبب مواعيد العيادة المتأخرة.
استمرت الحياة على هذه الوتيرة حتى تخرج إيهاب من الجامعة وقرر العمل في بنك من البنوك الحكومية الكبيرة دون أي واسطة من والده وفقط عن طريق مصادفته لإعلان في الجريدة.
تم قبول إيهاب علوان في الوظيفة واجتهد في عمله حق الاجتهاد، ليس هذا فحسب، ولكنه كان يلغي العواطف من أي تعاملات له سواء مع العملاء أو مع زملاءه الموظفين.
تعلم كيف يدبر المكائد لصالحه وكيف يقلب الحقائق حتى يكون هو الرابح دائما.. كثيرا ما كان يدخل في حوارات مع زملاء له ثم يذهب لنقل كل كلمة وكل حرف إلى رؤسائه في العمل.. لم يحظ على مودة أي من رفقائه بعدما عرفوه على حقيقته وعرفوا أنه يمكن أن يبيع نفسه في مقابل الحصول على رضا المدير أو في مقابل الحصول على ترقية أو علاوة ما.
أما هو، فلم يكن يشعر بأنه يفعل شيئا غير عاديا.. كان معتادا على الحياة وسط الكره والتنمر.. معتادا على الألفاظ السيئة والحياة الخالية من أي مشاعر طيبة.. فهذا ما تربى عليه واكتسبه من والده.. كان بداخله عدم ثقة بالنفس شديد يحاول أن يداريه بالتعالي على الأخرين أو بالتنمر عليهم أو ذلهم إذا استطاع ذلك.. ترسخ عنده الإحساس بالدونية حتى أنه كان يعكس كل مشاعره تلك على المحيطين به فيعاملهم بدوره بمنتهى الدونية فيعتقدون انه مغرور ومتكبر في حين أن شخصيته هي العكس من ذلك تماما.
لم يعرف أحد حقيقة إيهاب علوان ومدى احتياجه النفسي للحب والاحتواء الا واحدة فقط وهي زميلته حنان.. كانت الوحيدة التي تشفق عليه وتعامله معاملة خاصة جدا.. لم يصدق إيهاب نفسه في بادئ الأمر أن هناك من يمكن أن يحن عليه على الرغم من طريقته العنيفة مع الكل الا أنها الوحيدة التي استطاعت أن تستحوذ على انتباهه وتجعله يعاملها معاملة مختلفة عن الأخرين.
قرأت حنان نفسيته وفهمتها وأدركت مدى تعطشه للاحتواء.. وأن عنفه وتعاليه على الناس ما هو ستار يداري به نقصا في شخصيته.. ومع ذلك أعجبت به بل أنها أحبته في فترة قصيرة.
اختلط الأمر على إيهاب علوان في البداية فهو لم يكن معتادا على علامات الاهتمام مثل التي تفعلها حنان بين الحين والأخر.. فكانت تأتي له بطعام الغذاء وتتأكد من أنه قد تناوله.. وتأتي له أحيانا ببعض الحلويات التي تصنعها بيديها.. وكانت تطمئن عليه إذا غاب عن البنك لسبب ما أو عندما يذهب في مشوار لأحد العملاء.
الكثير من التصرفات الطيبة التي أبدا لم يعرف كيف يرد الفعل تجاهها سوى أن يكون لطيفا معها وذلك على عكس طبيعته القاسية.
خطب إيهاب علوان حنان وتزوجها في فترة قصيرة.. لم يكن طول فترة الخطبة ضروري حيث أن شقة إيهاب كانت جاهزة ولم يكن هناك داع لأي تأجيل من أي نوع.
شعرت حنان بمدى صعوبة طبع إيهاب منذ الأيام الأولى للخطوبة ولكنها عاندت نفسها.. كان إيهاب يبذل مجهودا جبارا حتى يظهر نفسه على عكس طبيعته ولكن أحيانا كثيرة كانت طباعه الأصلية تغلب عليه ويظهر على حقيقته أمام حنان.. كثيرا ما رأت منه عندا وعصبية وتعنتا في العديد من المواقف ولكنها على الرغم من كل ذلك ظلت على عهدها من الانكار.
وبعد مرور أيام الزواج الأولى وحين اختلى إيهاب وحنان في منزلهما، أدركت حنان أنه لا فائدة من تغيير طباعه.. فعلى الرغم من حبها له وتمسكها به إلا انه كان ببساطة شخص لا يعاشر.
حاولت أن تعرف المفتاح الذي به يمكن أن يكون مدخلا إلى شخصيته وسرا لاستمالته ا إليه ولكن مع الأسف لم يكن لإيهاب علوان مفتاح.
بدأ يهملها ويهينها وبالذات في علاقتهم الخاصة التي أصبحت تحدث بصورة متباعدة وأصبح إيهاب وكأنه يتعمد إيذاء حنان الشديد في هذه الناحية على وجه الخصوص.
ومع كل ذلك، ظل إيهاب علوان مجتهدا في عمله ويبذل فيه أقصى ما عنده حتى انه ترقى على مدار سنوات قليلة ثم تقدم إلىوظيفة مدير لفرع البنك الاستثماري وتم قبوله فيها بمنتهى البساطة نظرا لما يتمتع به من خبرات وكذلك لشهادة الماجيستير التي استطاع نيلها في فترة قياسية وبجدارة.
ازدادت طباع إيهاب علوان حدة عندما تم تعيينه كمدير للفرع، وكان يحسب حساب كل كلمة يقولها ويشك في كل شخص يتعامل معه ولا يثق في أحد، إلا شخص واحدا فقط!
وحدها دليلة من استطاعت أن تكسب ثقته بأسلوبها الناغم وبدهائها الشديد.
***
.jpg)